جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٩١والاشتراء هو أخذ المثمن ودفع الثمن فهو كالابتياع وذهب بعض أئمة اللغة إلى أن فعل وافتعل يتعاقبان في مادة الشراء ولعلهم يستدلون لذلك بقول الشاعر:
فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
وانتقد ابن عاشور التسوية وذكر أن الذي جرأهم عليه سوء التأمل في قوله تعالى: ﴿ وشروه بثمن بخس دارهم معدودة ﴾(1) ، فتوهموا أن الضمير عائد إلى المصريين مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من قوله تعالى: ﴿ وجاءت سيارة ﴾(2) ، أي باعوه ث قال: " وحسبك شاهد على ذلك قوله" ﴿ وكانوا فيه من الزاهدين ﴾ أما الذي اشتراه فهو فيه من الراغبين ألا ترى قوله لأمرأته ﴿ أكرمي مثواه ﴾(3) .
وللغويين أن يستدلوا لقولهم بقول الشاعر:
إن الشباب رابح من باعه
فإنه من المعلوم أن آخذ الشباب هو الرابح وليس باذله، ومن الواضح أن البائعين كلاهما آخذ وعط، فما المانع من جواز تعاقب الفعل والافتعال من كلتا الكلمتين في كل منهما.
وبما أن البيع والشراء يقتضيان استبدال شيء بآخر، أطلقت العرب الاشتراء على مطلق الاستبدال ومنه قول الشاعر:
أخذت بالجمة رأسا أزعرا … ... وبالثنايا الواضحات الدردرا
وبالطويل العمر عمرا حيدرا … ... كما اشترى المسلم إذ تنصرا
وقول الآخر:
إنا بني نهشل لا ندعي لأب … ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا
ونحوه في البيع كقول الحماسي:
وما إن بعت منزلة بأخرى … ... حللت بأمره وبه تسير
وحمل جماعة من المفسرين الاشتراء هنا على هذا المعنى، ورأى آخرون أن إطلاق الاشتراء على اختيارهم الضلالة على الهدى، لأن من اشترى شيئا لا يشتريه إلا وهو فيه راغب، وفي ثمنه زاهد، ومن حيث إن هؤلاء زهدوا في الهدى ورغبوا في الضلالة أطلق على فعلهم الاشتراء، وهو من المجاز المرسل بعلاقة اللزوم.
(1) 1 ) سورة يوسف الآية"20".
(2) 2 ) سورة يوسف الآية "19".
(3) سورة يوسف الآية "12"، التحرير والتنوير حـ1، ص284 الدار التونسية للنشر