جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٦وهذه الآية مرتبطة بسابقاتها، فهي في المنافقين كما هو بديهي ولا معنى لقول من يقول إنها في أهل الكتاب أو المشركين أو أنها شاملة للمنافقين وأهل الكتاب، لأنه يفضي إلى خروجها عن نسق ما تقدم وما يأتي ولا دليل عليه.
*******
﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ﴾ (17)
هذه الآية مسبوقة بتسع آيات هاتكة أستار أهل النفاق، كاشفة خباياهم، سواء كانوا من اليهود أو من العرب الوثنيين، وجاءت بعدها هذه الآية لترسم صورة محسوسة للنفاق وأحوال المنافقين بما فيها من ضرب المثل، وقد تلى هذا المثل بمثل آخر في آية ثالثة لهذه الآية.
الأمثال ترسخ المعاني وتقرب الحقائق:
وضرب الأمثال أسلوب معروف عند العرب وعند غيرهم، ولكتاب الله سبحانه الحظ الأوفر منه، كيف لا وهو أعلى قدحا وأسمى غاية من أي كلام، فلذلك كانت أمثال القرآن على المقاصد، وقد قال تعالى ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يقلها إلا العالمون ﴾(1) ، وقال: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ﴾(2) ، ومن فوائد الأمثال ترسيخ المعاني في الأذهان وتقريب الحقائق حتى تكون كالصور البارزة للعيان ومع ذلك ففيها إيجاز للقول بعد الاطناب، وإجمال بعد التفصيل، فإن المعاني إذا تقدمت في عبارات متفرقة ربما تتشتت في الذهن ، فغن جمعت في الأمثال كان ذلك أدعى لأن تعيها الأذهان وترتسم في الأدمغة، على أن الوهم قد يكابر العقل في المعقولات، ولكنه أضعف من المكابرة في المحسوسات كان ذلك أدعى لأن تتضاءل الأوهام وتتبدد الشبه، فتستسيغ العقول تلك الحقائق المجلوة بدون تردد ولذلك كثر ضرب الأمثال في معرض التفخيم والتحقير والتكثير والتقليل، والتهويل والتهوين والترغيب والترهيب.