جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٢ · صفحة ٣٣٥

خامسها: أن الاتيان بلعل لأجل النظر إلى أن الله سبحانه خلق الناس واختصهم من بين خلقه بالعديد من المزايا وأسبغ عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، وأقام عليهم حجته بإرسال رسله وإنزال كتبه، وأمرهم بالاستقامة على الخير ونهاهم عن الانحراف إلى جانب الشر، ووعدهم وتوعدهم وهي حالة مرجحة لاستمساكهم بحبل التقوى عند كل من يفكر في أمرهم، فعبر بلعل الدالة على الرجاء عن طلب التقوى الصادر من الله تعالى إليهم، شبهت حالة بحالة، وذلك أن ينظر إلى جانب الخالق والخلق والمخلوقين، وطلب التقوى منهم، فيقابل ذلك بما إذا حصل رجاء من راج في مرجو منه، وقد طويت أركان هذا التشبيه ما عدا لعل لأنها العمدة فيه وإن لم يقتضها سياق الكلام، والذي يتبادر لي أن هذا المذهب لا يختلف عن المذهب الثاني إلا في أسلوب العرض، وعلى كلا المذهبين فهي مرتبطة بخلق، وأما المذهب الأول فهو مبني على ارتباطها بـ " اعبدوا" كما علمت، وأما على المذهبين الثالث والرابع فيجوز الأمران، والصحيح عندي المذهب الثالث لبعده عن التكلف وظهور أدلته، وان أنكره من أنكر.

وقد سبق الكلام على التقوى في قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ فلا داعي إلى تكراره.

هذا وقد جعل ابن جرير من الآية الكريمة سندا لمذهبه في جواز التكليف بما لا يطاق حيث أمر الله عز وجل عباده بعبادته مع علمه بأن كثيرا منهم لا يؤمنون، وتابعه على ذلك جماعة من المفسرين ولا مستند لهم في الآية، فإن إعراضهم عن الهدى وليس بإجبار من الله وإنما هو كان بمحض اختيارهم وما كتبه الله عز وجل عليهم إنما هو بحسب ما علم من هذا الاختبار.

ولا إشكال في دخول المؤمنين في عموم هذا الخطاب الداعي إلى عبادة الله، وإن كان من قبل يعبدونه لا يشركون به شيئا، لأن الأمر بالعبادة أعم من أن يحصر في إنشائها أو المواظبة عليها والاستزادة منها، فيحمل خطاب كل فريق على ما يلائم حاله.

٧١١ / ١٬٤٤٧