جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٩وقد قيل لهم هنا: إن كنتم في شك منه بسبب ما ذكر تموه فلتأتوا أنتم بمثل نوبة واحدة من بوبه وهي سورة من قصار سوره، أفاد ذلك الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بأنه دلالة التفعيل على الكثرة لا تخرج بالفعل عن اللزوم إلى التعدي، فالفعل اللازم إذا ضعف يبقى على لزومه، والمتعدي يبقى كذلك متعديا، وإنما يفهم من الفعلين وقوعه بالكثرة، مثال ذلك جرح وجرح، فإن الفعلين متعديان وإنما يمتاز المضعف عن المجرد بدلالة على كثرة الوقوع، وإذا انتقل الفعل بالتضعيف عن اللزوم إلى التعدي نحو بان وبين لم يدل تضعيفه على الكثرة، ومن هذا الباب نزل ونزل، فإن نزل- بالتضعيف- لا يختلف عن أنزل في شئ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ حيث ضعف الفعل ولم يقصد به إلا المرة، وبهذا يتبين ان التعبير بالإنزال تارة وبالتنزيل أخرى ليس لفارق بينهما، وإنما هو من باب التفنن في الكلام، وكثيرا ما يأتي لفظ التنزيل في القرآن فيما لا يحتمل التكثير إلا بضرب من التأويل البعيد، كقوله تعالى: ﴿ لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ﴾(1) ، وقوله : ﴿ وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ﴾(2) ،هذه خلاصة رد أبي حيان على الزمخشري، وهو في منتهى القوة والوضوح .
العبودية لله أرقى درجات التكريم:
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بلقب العبودية في مقام الدفاع عنه مؤذن بأن عبودية الانسان لله شرف له إذ هي أرقي هذه الدرجات الروحية التي يصلها العبد بجهاده وبعناية الله، وفي هذه الإضافة إلى الضمير العائد إليه تعالى تشريف له صلى الله عليه وسلم، وتنويه بأنه تحت رعاية الله وفي حمى عنايته.