جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٦١وعزا القرطبي إلى جماعة من المفسرين أن في الآية تقديما وتأخيرا، وأن الأصل وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النار، وفرع عليه عدم تمام الوقف على صادقين، وهو قول مرفوض، لما علمته من أن جملة " لن تفعلوا" جاءت معترضة في موضع حسن فيه مثل هذا الاعتراض، والتجرؤ على القول بأن في القرآن تقديم ما حقه التأخير أو العكس اجتراء عظيم على من أنزله بحسب هذا الترتيب، لأن تقديم ما حقه التأخير لا يصدر إلا ممن يعييه ترتيب الكلمات أو الجمل بحسب ما تقتضيه معانيها، وهو عجز لا تصح نسبته إلى القرطبي إلى جماعة من المفسرين- في الغرابة والبعد- بما ذكره ابن عطية والقرطبي أيضا أن بعضهم ذهب إلى أن الضمير في قوله" من مثله" عائد إلى ما نزل من قبل من كتب الله، وفساد هذا الرأي ظاهر بداهة لمخالفته ما يتبادر من معنى الآية ومعاني نظائرها، ولأن التحدي إنما هو بالقرآن وليس بما تقدمه من الكتب.
والمراد باتقائهم النار اتقاؤهم الأسباب الموصلة إليها، وأهمها ركوب متن العناد، والإخلاد إلى الكفر والشقاق كرها للحق وتعاميا عن الحقيقة مع سطوع حجتهما وإشراق براهينهما، وهو من التعبير بالمسبب عن السبب.
والوقود ما تشتعل به النار من زيت أو حطب أو ما أشبهها، وهو بفتح الواو في قراءة العشرة وقرأ الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر الهمداني بضم الواو، وهي محمولة على أنه مصدر للمبالغة كما قال الشاعر:
فإنما هي إقبال وإدبار
وذلك بأن يجعل ذلك عين اتقادها، ولا معنى لتقدير بعضهم مضافا- وهو ذوو- قبل وقود لأنه مما ينفر عنه الطبع السليم، ويأباه الذوق المستقيم فضلا عن كون هذا المحذوف ليس إليه من داع فالمعنى واضح حسب التأويل الذي سبق، على أن المضموم من هذه اللفظة يأتي بمعنى المفتوح، والعكس كما ذكره بعض من يعول عليهم من أئمة العربية.