جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٦٨ويدفع الأول أن المتعاطفين لا يشترط جواز نعاقبها بحيث يحل المعطوف مكان المعطوف عليه،والدليل عليه قوله تعالى : ﴿ الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ ، حيث عطف الاسم البارز – وهو الموصول- على الضمير المتصل، ولا يصح تقديم الموصول وعطف الضمير عليه بالإجماع، وقد ورد نحوه كثيرا في القران، وكذا في الكلام العربي الفصيح منثوره ومنظومه، كما يدل عليه قولهم:"رب رجل وأخيه لقيتهما" مع عدم جواز تقديم أخيه على رجل بالإجماع في هذا المثال، لما يترتب عليه من عدم وجود معاد للضمير، ودخول رب على المعرفة وهي لا تدخل إلا على النكرات، وهذا الذي ذكرته يغني عما أجاب به بعضهم من أن كلا من " اتقوا" و"بشر" مترتبان على أمر واحد وهو ظهور معجزة القرآن وتكذيب المعاندين بها، وتصديق المؤمنين ، والتكذيب هو الذي ترتب عليه الوعيد، كما أن التصديق هو الذي ترتب عليه الوعد.
وأجيب عن الثاني بأن جواز عطف أمر على أمر مع اختلاف المأمورين حال النداء؛ لظهور المراد بكلا الأمرين بقرينة النداء، دليل على جواز ذلك عند وضوح المراد بأية قرينة أخرى، ويدل عليه قوله تعالى : ﴿ يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك ﴾(1) ، فإن القرينة هنا ما دخل على الأمر الثاني من علامة التأنيث،ومثله التفاوت بين الأمرين هنا، فأولهما جاء بصيغة الجمع، وثانيهما بصيغة الإفراد، وذلك كاف في الدالة على ما يراد بكل منهما.
ومن التكلف الظاهر تجويز السكاكي في المفتاح كون "بشر معطوفا على قل مقدر قبل "يا أيها الناس اعبدوا"، ومثله قول القزويني في الإيضاح أنه معطوف على أنذر مقدر بعد " أعدت للكافرين " أي فأنذر الذين كفروا، وبشر الذين آمنوا، ولست أدري ما الداعي إلى حمل القران على هذه المسالك الملتوية مع وضوح الوجه الأول الذي قاله الزمخشري، وعدم تعذر الوجه الثاني وإن ذهب السيد الجرجاني إلى أن مذهب القزويني أصح المذاهب بعد الوجه الأول مما في الكشاف.
(1) سورة يوسف للآية "29".