جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٧٣ولا ريب أن الفطرة السليمة تهدي إلى الخير وتدعوا إلى الصالحات غير أنها لا تكفي لأن تكون مصدر الأحكام، وموئل الاحتكار، لأنها كثيرا ما تتأثر بالمؤثرات المختلفة، ومن هنا كان اتصال الإنسان بخالقه تعالى لا يكون إلا بطريق ما شرعه من الأحكام بوحيه المنزل، ولذا لم يوكل الناس إلى عقولهم في تمييز الخير من الشر، والنفع من الضر، فقد يستحسن عقل ما يستهجنه آخر، وتستسيغ فطرة ما تأباه فطرة أخرى، وهذا لتأثير العوامل التربوية والاجتماعية والشخصية على نفوس الناس وكثيرا ما تكون البيئة عاملا مهما من هذه العوامل، ومن ثم تختلف أحوال مجتمعات الناس في استحسان الأمور واستقباحها، ولأجل ذلك كان ميزان الأعمال الذي يفرز الصالح من غيره هو كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.
ورويت عن الصحابة رضوان الله عليهم، ومن بعدهم من مفسري التابعين أقوال في المراد بالصالحات، منهم من قال إنها الإخلاص، ومنهم من ذهب إلى أنها الجمع بين العلم والنية، والصبر والإخلاص، وذهب بعضهم إلى أنها الصلوات الخمس وقال آخرون هي الأمانة، وذهبت طائفة إلى أنها التوبة، ولا تعد هذه الآراء مختلفة، وإنما ذلك كله من أمثلة العمال الصالحة، وقد تكرر في هذا التفسير عدم اعتبار مثل هذا خلافا، وإنما كانت تختلف إجابات الصحابة وغيرهم باختلاف أحوال السائلين أو السامعين فتارة يكون اللائق بالمقام الحض على الصلوات الخمس لتهاون السائل أو المستمع بها، وتارة تدعو الحال إلى التذكير بالإخلاص أو بالتوبة، وتفسيرنا للصالحات بأنها ما وافق الكتاب والسنة بجمع جميع ما قالوه.