جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٧فذهب الزمخشري، وابن عطية، والقرطبي، والشوماني إلى أن الخلد موضوع للدوام الأبدي، واستعماله في غيره مجاز، وذهب الفخر الرازي وأبو حيان، وأبو السعود، وقطب الأئمة إلى أنه موضوع للمكث الطويل مع غض النظر عن دوامه أو انقطاعه، وعليه فهو من باب المشترك الذي يتعين ما يراد به بالقرينة الدالة عليه، وجعل هؤلاء دوام الثواب والعقاب بالدلائل الأخرى من الكتاب والسنة غير لفظه الخلود، نحو قوله تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ﴾(1) ، وقوله: ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ﴾(2) ، حيث قرن الخلود بالتأبيد في الموضعين، ومثل ذلك ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في خلود أهل الدارين فيهما، ومهما يكن الأصل في معنى الخلد فإن خلود الأبرار في الجنة والفجار في النار خلود أبدي للإجماع على بقاء الدارين، والأدلة القاضية على أن حياة سكانها حياة أبدية وخالفت في هذا طائفتان:
أولهما الجهمية، مستندين في ذلك إلى شبهتين:
الأولى أن دوام المخلوقين مناف لاتصاف الله بالأخروية، فإن من أسماء الله الأول والآخر، ومعنى أوليته سبقه على كل موجود، وهكذا يلزم أن يكون معنى آخريته بقاؤه بعد كل موجود.
الثانية: أن أنفاس أهل الدارين إما أن تكون معلومة له تعالى وذلك يعني أنها محصورة وحصرها لا يتفق مع وصفه أنه بكل شيء عليم.
واجيب عن الأولى بأن دوام حياة المخلوقين في الدار الآخرة لا ينافي آخريته تعالى، لاختلاف دوامهم عن دوامه، فإن دوامه ذاتي، ودوامهم بإدامته إياهم، فلذلك كان حقيقيا بصفة الآخروية دونهم؛ وعن الثانية أن استمرار أنفاسهم لا ينافي إحاطة علمه سبحانه بها، فإن علمه ذاتي ليس كعلم المخلوقين ولا يصح أن يقاس عليه.