جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٣٩١وما عزاه إلى المفسرين من الغفلة عن ذكر مناسبة الآية غير صحيح، الفخر الرازي ذكر مناسبة أخرى هي أقوى في الدلالة على ارتباط ما في هذه الآية بما في التي قبلها مباشرة، وهي أن الله تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، أورد بعده شبة أوردها الكفار قدحا في ذلك، وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وذكر هذه الأشياء لا يليق بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فاجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، ثم قال:" فهذا هو الإشارة إلى تعلق هذه الآية بما قبلها.."(1) ، وقد أتى ابن عاشور نفسه بمعنى ما قاله الفخر.
وبالجملة فإن الآية رادة على استنكارهم ضرب الأمثال في القرآن سواء كان استنكارهم لمطلق الأمثال، أم للتمثيل بالمحقرات فإن القرآن جار على سنن الكلام العربي، وضرب الأمثال شائع عند العرب وهو ما يزيد المعاني رسوخا في الأذهان وانكشاف حتى تتجسد كالصور الماثلة للعيان ومثل كل شيء بحسب حاله فالعظائم تمثل بالعظائم، والمحقرات بالمحقرات وذلك لا يشين الكلام، ولا يحط من قدره وإنما استنكر أمثال القرآن من استنكرها من الحاقدين لأن شأن المبهوت الحائر الذي انقطعت به الأسباب واستعصت عليه الحيل أن يتشبث بأي شيء، شأن الغريق في البحر الذي يمد يده لا إلى شيء غير الأمواج التي ترديه، وأولئك أغرقهم القرآن في خضم بيانه، وأصماهم ببوارق حججه فلم يجدوا إلا أن يستعوجوا المستقي، كمن ينكر ضياء الشمس في رابعة النهار، ويحاول أن يلبسها بوهمه رداء أسود ليخفي نورها عن الأبصار:
وليس يصح في الأذهان شيء … ... إذا احتاج النهار إلى دليل
(1) 2 ) مفاتيح الغيب ح1، ص131 ،132 الطبعة الثانية