جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٤واستدل بهذه الآية على حكم مسألة مهمة شغلت بال الأصوليين والفقهاء وهي الأصل في الانتفاع بالأشياء حسب ما يلائم طبيعتها، هل هو معدود قبل ورود الشرع في حكم المباح أو غيره؟ فالقائلون بالإباحة استندوا- فيما استندوا إليه- إلى هذه الآية الكريمة لأن الله لم يكن ليخلق الأشياء للناس ثم يعاقبهم على استعمالها فيما يتلاءم مع طبيعتها، وهذا هو الذي ذهب إليه جل أئمة المذهب، ونص عليه قطب الأئمة- رحمه الله- في تفسيرية الهيميان والتيسير، وبه قال الزمخشري والرازي والبيضاوي، ونسب إلى الشافعي وجماعة من الشافعية والحنفية، كما نسب إلى المعتزلة، وذهب آخرون إلى أن الأصل فيها الخطر حتى يرد الشرع بإباحتها، وعليه عوّل قطب الأئمة- حسب حفظي- في شرحه على شرح البدر الشماخي على مختصر العدل، ونسب إلى بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة، وذهب آخرون إلى الوقف، وهو المحكي عن أبي الحسن الأشعري وعن المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة حسب نقل ابن عرفة، وهو الذي يقتضيه كلام ابن العربي في أحكامه والقرطبي في تفسيره.
وأصحاب القولين الأخيرين يرون أن الآية الكريمة لم ترد لتشريع حكم، وإنما نزلت للإمتنان وبيان تكريم الله تعالى للإنسان، وأنت تدري أن الإمتنان بما تعود مغبته بالمضرة على الممتن عليه لا يكون من الحكيم تعالى، لأن عقوبة الحرام لا يوازيها الانتفاع به.