جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)

الجزء ٣ · صفحة ٢٠

ولا يستلزم الاستخلاف حلول الخليفة مكان من استخلفه بعد فناء المستخلف أو أنتقاله حتى يشكل أن يكون آدم وذريته خلفاء الله في أرضه مع الله تعالي الله عن الزمان والمكان، وعن مشابهة خلقه في أي صفة من صفاتهم ، بل يكفي في تحقق الاستخلاف تمكين المستخلف لخليفته من أمر لم يكن بإمكانه أن يتمكن منه بدونه، وإباحة التصرف له فيه تصرفا يستمد شرعيته من هذا التمكين.

وشعور الإنسان بأنه خليفة الله في أرضه يجعله يحس أولا بمكانته عند الله وعظم منته تعالى عليه، وثانيا بثقل حمله وعظم مسؤوليته، وهذا الشعور يستلزم تحرى مرضات الله تعالى في كل آمر واستلهام منهج الحياة منه سبحانه في الفعل والترك، والأخذ والرد، والعطاء والمنع، فإن من شأن الاستخلاف أن لا يتجاوز الخليفة الحدود التي رسمها له من استخلفه، وأن لا يخرج عن إطار وظيفته، ولا ريب أن الأرض أرض الله، وما فيها ملكه، والناس المستخلفون ما هم إلا وكلاء وأمنا من قبله تعالى، لا يحق لهم أن يتصرفوا مطلق التصرف فيما وكلوا فيه وائتمنوا عليه بل يلزمهم أن يرجعوا كل شيء إلى حكم مالك الأمر الذي حملهم هذه الأمانة، وشرفهم باختيارهم لها، وهذا الذي يوحيه قوله تعالى في المال: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) – الآية 7 سورة الحديد، وقوله: ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) – الآية 33 سورة النور - .

ولئن قيل ما هي الفائدة من أعلام الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة مع أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وهو غنى بواسع علمه عن آراء خلقه؟

٨٣٩ / ١٬٤٤٧