جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٣٤وقد علمت تقارب معنى التسبيح والتقديس ، وإنما يفرق بينهما من حيث أن التسبيح مختص به تعالى فلا يُقال في شخص أو بلد أو أي مخلوق إنه مسبح بخلاف التقديس كما في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) ( المائدة : آية 21 ) ، وفي الحديث (( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها )) ، وقد استعمله العرب في جاهليتهم فيمن كان منزها عند أبناء ملته نحو قول امرىء القيس :
وأصله بمعنى التطهير ولذلك سمى السطل قدساً لأنه يتوضأ به ويتُطهر .
واحتيج لدفع التكرار الذي يوهمه اقتران التسبيح بالتقديس – مع ما علمته من التقارب بينهما – إلى التفرقة بين معنييهما ، فقيل : إن أحدهما باعتبار الاعتقادات ، والثاني : باعتبار الطاعات البدنية ، وقيل التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به ، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ ، ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أخر نحو سبوح قُدوس (1) .
وفعل قدس يتعدى بنفسه وإنما اللام هنا لتأكيد وقوع النسبة كما في قولهم شكرت لك ونصحت لك ، وقيل : إن التقديس بمعنى التطهير ، ومرادهم به تطهيرهم لأنفسهم من معاصي الله لأجله تعالى ، فكأنهم قابلوا الإفساد في الأرض المتوقع صدوره من البشر ، والذي أفحشُهُ الإشراك بالله سبحانه بتسبيحه تعالى الذي هو من مقتضيات توحيده ، وقابلوا سفك الدماء الذي هو من أشنع المعاصي العلمية بتقديس أنفسهم – أي تطهيرها من أكدار المعاصي – من أجله تعالى ، فاللام على هذا أصلية مفيدة للتبيين ولا تخلو من التعليل ، وعليه فلا إيهام للتكرار ، ومجيء هذه الجملة إسمية لأجل إفادة الدوام والثبوت فهم – عليهم السلام – من شأنهم الاستمرار على هذه الحالة التي وصفوا بها أنفسهم بحيث لا ينفكون عنها .