جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٥٧وقد قام آدم بهذه المهمة التي نيطت به خير قيام فأوضح ما انبهم من أسماء هذه الأجناس التي عُرضت على الملائكة كما يدل عليه قوله سبحانه : ( فلما أنبأهم بأسمائهم ) وعندئذ نودي عليهم من قبله تعالى بأن أسراره في خلقه ، وحكمه في أفعاله لا يحيط بها غيره سبحانه ، فليس لأحد بأن يعترضه في أمره ، إذ له سبحانه الخلق والأمر ، وهذا مطوى تحت إجابته لهم بقوله : (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) ولم يذكر سبحانه في سالف القصة نص هذا القول وإنما ذكر مل يتضمن معناه وهو قوله لهم : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) وفي هذا دليل على أن المراد بما لا يعلمون هناك هو ما فصله هنا بأنه غيب السماوات والأرض فما حكي هنا تقرير وتفصيل لما حكي هنالك .
والأولى إجراء غيب السماوات والأرض على العموم فيدخل في ذلك كل ما انطوى عليه هذا الوجود من حقائق لم تكتنهها أفهام الخلق ، وكل ما حدث أو سيحدث في الكون من أمور لم تحط بها المخلوقات علما ، ومن كان محيطا بهذه الخفايا كلها لم تخرج شيء من أمره محلا للنقد أو الإعتراض .
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بغيب السماوات أكل آدم وحواء من الشجرة ، والمراد بغيب الأرض قتل قابيل لأخيه هابيل ، وهو تفسير ضعيف جدا فإن غيب السماوات والأرض أوسع من ذلك بكثير ، ومن ناحية أخرى فإن كلا من الأكل أو القتل لم يكن حاصلا عندما وجه الله إلى الملائكة هذا الخطاب .
وذهب بعضهم إلى أن غيب السماوات هو ما قضاه من أمور خلقه ، وغيب الأرض هو ما فعلوه فيها بعد القضاء .