جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٦١وقد عدل عن هذا الأسلوب هنا إلى أسلوب آخر حيث أسند القول إلى ضمير المتكلم الآتي بصيغة الجمع لإظهار عظمته ، وهذا العدول مما يسمى في عرف علماء البلاغة بالالتفات ، وقد سبق ذكره في سورة الفاتحة ، وأنه يأتي لنكتة عامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه ، وقد تكون مع هذه النكتة نكت خاصة بحسب ملاءمات مقام الخطاب ، والنكتة الخاصة هنا أن الأمر بسجود الملائكة لآدم معاكس لما كانوا يتصورونه من فضلهم عليه وأحقيتهم بالخلافة دونه ، فكأنما أراد به تعالى تأديبهم بعد أن أظهر لهم مزيته ، فلذلك حكى هذا الجانب من القصة بهذا الأسلوب ، وفي هذا السجود ما يشبه الاعتذار منهم إليه مما قالوه في شأنه .
قصة الأمر بالسجود لآدم
والعطف هنا من باب عطف القصة على القصة كما تقدم ، وما قيل في (( إذ )) هناك قيل هنا ، وإعادتها بعد العاطف المغنى عن إعادة الظرف للتنبيه على أن القصة مقصودة بذاتها ، فكانت حرية بالاستقلال والاهتمام ، ومن هنا لم تُعطف بالفاء الدالة على الترتيب والتفريع مع أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها غير أن مراعاة استقلالها والعناية بها كانت أولى من مراعاة التفرع المذكور ، ويتضح لكم مما ذكرته من أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها أن الأمر بالسجود كان على أثر ظهور مزية آدم بعلمه الأسماء وتعليمه إياها للملائكة ، وذهب الفخر الرازي إلى أن الأمر بالسجود سابق على تلك المقاولة المتعلقة بالأسماء لقوله تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ( الحجر : 28 – 29 ) ، وقوله : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين فإذا سويتهُ ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) ( ص : 71 – 72 ) .