جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٦٧ومثله روي عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وشهر ابن حوشب وعليه أصحابنا – رحمهم الله – حتى بالغ بعضهم فقال بإشراك من زعم أنه من الملائكة لمنافاة ذلك قوله تعالى : ( كان من الجن ) ( الكهف : 50 ) ، ورده القطب ، - رحمه الله – لأن قائله تأوله من الاستثناء ، والاتصال هو الأصل فيه ، وحجة هؤلاء هذا النص الصريح في سورة الكهف الدال على أنه من جنس الجن وليس من جنس الملائكة ، وما ثبت بالنصوص القرآنية من عصمة الملائكة المنافية لما صدر من إبليس ، وقوله تعالى : ( أفتتخذونه وذريته أولياء ) ( الكهف : 50 ) ، حيث أثبت له ذرية والملائكة لا يتوالدون إذ لا يتصفون بذكورية ولا بأنوثية وبأنه مخلوق من نار كما خُلقت الجن منها حسب ما صرحت نصوص الكتاب العزيز ، والملائكة خُلقوا من نور كما يدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم .
وتكلف أصحاب القول الأول رد هذه الأدلة بضروب من التأويل كقولهم إن الجن المعنيين هنا طائفة من الملائكة لأن لفظة مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار واستأنسوا لذلك بقوله تعالى : ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) ( الصافات : 158 ) مع أن العرب كانت تزعم أن الملائكة بنات الله فاستظهروا من ذلك أنهم المقصودون بالجنة ، وجوز بعضهم أن تكون كان بمعنى صار وهو يعني انتقاله بعد الطرد والمسخ من الصفات الملكية إلى صفات الجن الشيطانية فلذلك جاز عليه ما لم يجز على الملائكة ، وأما خلقته من نار فلا تنافي – عندهم – أن يكون كالملائكة مخلوقا من النور لأن النار من طبيعتها الإنارة .