جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل (نسخة ب، 1447ص)
الجزء ٣ · صفحة ٩٦ويمثل ذلك كله في إسكان الله إياه الجنة ، وإذاقته نعيمها ، وإباحة متعها له ، ما عدا شيئا واحدا وهو شجرة حجر الله عليه الأكل منها سواء كانت هذه الشجرة فردا من الأشجار معينا أو جنسا من أجناسها تدخل ضمنه ، أفراد شتى ، وقد تبدو هذه المحنة هينة عند من لا يعلم طبيعة الإنسان ولا يحيط بمكائد الشيطان ولكنها في حقيقتها محنة صعبة ، فإن النفس البشرية خلقت ميالة إلى ما حجر عليها ، ومتطلعة إلى ما خفي عنها ، وللشيطان وسائل إليها وقد عقد العزم على إضلالها فكان في حجر الأكل على آدم وزوجه من هذه الشجرة اختبار لإرادته وتعريف له بعجزه ، ومن ناحية أخرى فإن السلب بعد الوهب من أتعب ما يعانيه الإنسان ، فلا غرو إذ أعيل صبر آدم على محنة الحرمان من هذا النعيم الذي كان يتفيأ ظلاله ويتقلب على لطفه الوثير ، وضاق ذرعه من وحشة الإبعاد بعد أنس التقريب ، ولم يكن قذفه بهذه المصائب إلا لتمام إعداده للمهمة التي نيطت به ، فإنه خُلق لحياة الأرض التي يجد فيها العطاء والحرمان ، والأنس والوحشة ، والخير والشر ، حتى يجتازها بسلام فينقلب إلى ما أعد له من النعيم الدائم جزاء عمله وصبره ، وجهاده وكفاحه ، فكان في كل ما مر به تربية نفسية له ولذريته الذين سينوؤن بما ناء به من التكاليف ، وسيتحملون ما تحمله من مشاق حتى يعبروا طريق هذه الحياة ، وينقلب كل منهم إلى حياة أخرى يجني فيها ما غرس ، ويحصد ما زرع خيرا كان أو شرا .
وقد يقول قائل : إن آدم عليه السلام فشل في هذا الامتحان لأن الشيطان بلغ منه قصده ، فقد تمكن من إنسائه عهد الله ، وقدر على التأثير عليه حتى ارتكب ما نُهي عنه .