مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سورة النور الناصر بن محمد المرموري

في رحاب القرآن للشيخ بيوض اختصار المرموري سورة النور

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

" أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا خرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور – وفي الآيات مقابلة بين حالة وحالة فبينما يقول في وصف المؤمنين نور على نور إذا به يقول في مثل الكافرين ظلمات بعضها فوق بعض وبين الحالتين من البعد والتباين ما بين الظلمات والنور فأعمال الكفار والمشركين في فسادها وضلالتها وسوء عاقبتها كظلمات متراكمة في بحر لجى بعيد القعر كثير الأمواج تتعالى أمواجه في عنان السماء يركب بعضها بعضا وفوقها سحب وغيوم تحجب نور الشمس كما تحجب الشكوك والشهوات والأهواء نور الحق عن قلوب الكفار فتعمى بصائرهم فلا ترى شيئا كذلك الحال في هذا البحر اللجي ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج الراكب فيه يده لم يكد يراها أي لم يقترب من رؤيتها لتراكم الظلام حيث ينقلب النهار ليلا وهذه حالة لا يتصورها إلا من سافر عبر هذه المحيطات وقد كانت هذه الآية سببا في إيمان أحد ربابنة البحار حين قرأها وهو في حالة من هذه الحالات فتعجب من هذا الوصف الدقيق لهذه الحالة بكلمات قليلة يعجز أمثاله الذين عاشوا في البحار عن وصفها بكلام مسهب طويل فكيف يصفها محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف العجيب في أسلوب عجيب وهو لم يركب البحر ولم يشهد هذه البحار اللجية فأيقن أن هذا من كلام خالق البحار لا من كلام محمد الذي نشأ وعاش في الصحراء وفي هذه الحالة تصوير حقيقي لا حداق الخطر وقرب الهلاك لمن هذه حالته فكذلك الكفار أمرهم في بوار وعاقبتهم المار أضلتهم أهواؤهم وطغت عليهم شهواتهم فهم في ظلماتهم يعهمون يجرون وراء السراب يطلبون السعادة في طرق الشقاء ، ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا – ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور – ما أقساه من حكم تحكم به هذه الآيات حكمها على هؤلاء العمى الصم البكم الذين يبتغون الهدى في غير كتاب الله أضلهم الله ولم

١٢٨ / ١٧١