مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٠٠لا أخالفك في أمر، ولا أعصي أوامرك مطلقًا، وهذا هو الأدب العالي الذي يجب أن يتحلّى به المتعلم في عِشرة مُعلِّمه حتى ينال مما عنده من العلم، التواضعُ والخدمةُ والصبرُ والطاعةُ الكاملة، وينبغي أن يلين له القول حتى يطيب قلبه فينال منه مراده، وكذلك كنا نعامل مشايخنا رحمهم الله، كنا نتلطف لهم إذا أخطؤوا بعبارات لطيفة ننسب فيها القصور إلى فهمنا حتى إذا كرروا العبارة وأولوها عناية خاصة لتفهيمنا أدركوا خطأهم بأنفسهم ولا نجابههم بما يسوءهم، وربما نعرض وجه الصواب عرضًا إذا لم ينتبهوا له، ولا نجابههم بالتخطئة أو عدم الفهم تأدبًا معهم ورفعًا لمقام العلم، نتقبل منهم اللوم والعتاب ونتلقف عنهم الصواب، ونستأني بهم إذا أخطؤوا، أيّ أدب هذا تحمله هذه العبارة القرآنية البليغة وتفيضه على تاليها والمتدبرين لمعناها، هذا والطاعة المطلقة لا تكون إلاّ لله ولمن عصمهم الله، أما طاعة غير هؤلاء فهي في معروف، وهذا معروف عند أهل العقول الذِّينَ صنعت عقولهم شريعةُ القرآن الحكيم.
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلاَ تَسأَلَنِّي عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا﴾
قال أستاذ موسى لموسى إن اتبعتني لتتعلم العلم فلا تعاجلني بالسؤال عن شيء لم تفهم تأويله حتى أكون أنا الذي أكشف عن حقيقته وحقيقة القصد من فعله، وأكد له النهي، تأكيدًا حتى يلزم متابعة هذا الشرط ويصبر ولا يستعجل، وكأنه علم أنه سيُغلب على أمره ولا يطيق الصبر؛ لأن أفعاله لا تجري على الأحكام التي في علم موسى، وعقب نهيه بغاية كشفه له عن حقيقة الأمر الذي يأتيه حتى يصبر في انتظار الفائدة، وهل أجدى ذلك في موسى؟، وهل صبر كما أمره وكفّ عن السؤال والاعتراض؟، إن حدة موسى في الأمر والنهي لم تتركه يسكت، بل أنسته ما كان قد قطعه على نفسه ووعد به معلِّمَه.
{