مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

عبارات يقولها موسى مخاطبًا بها معلمه، فيها التلطف وحسن الاعتذار، وليس فيها أدنى شيء من المعارضة والتنطع، ولذلك سكت عنه معلمه عاذرًا له عافيًا عنه، وكأن لم تقع مخالفة، وهذا ما ينبغي أن يقع في معاملات التلاميذ لمعلميهم وفي معاملات المعلِّمين لتلاميذهم من العفو عن السقطات الصغيرة التي لم يسبق لها مثيل، والتي مبعثها الغفلة والنسيان لا سيما إن سُلِّم القصد منها.

﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلتَ نَفسًا زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفسٍ لَّقَد جِئتَ شَيئًا نُّكُرًا (74) قَالَ أَلَمَ اَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلاَ تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَّدُنِّي عُذرًا (76)﴾

نزلا من السفينة واستأنفا رحلتهما سيرًا في البر وانطلقا حتى لقيا غلامًا وسيمًا فأخذه الخضر، ففصل رأسه عن جسده فمات، لما رأى موسى هذه العملية أخذته سَورَةٌ في إنكار المنكر، ولم يصبر ونسي ما كان وعد صاحبه من الصبر، فأنكر عليه قال:

﴿أَقَتَلتَ نَفسًا زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفسٍ لَّقَد جِئْتَ شَيئًا نُّكُرًا﴾

أتقتل نفسًا بريئة طاهرة لم ترتكب إثْمًا ولم تقتل نفسًا، لقد أتيت أمرًا منكرًا، كان إنكار موسى هذه المرة أشد على صاحبه من الإنكار الأول؛ لأنه هنا قتل محقق، وفي الأول غرق متوقع ربما يترتب عليه موت، لذلك جاء جواب الخضر أشد من جوابه الأول.

﴿قَالَ أَلَمَ اَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِي صَبرًا﴾

أما قلت لك صراحة إنك لن تستطيع الصبر معي، ذكَّره بالقول الذي قاله له فنسيه، وكان هذا النسيان هذه المرة مكررًا فهو أعجب وأبعد عن العذر، فهو نسيان يستوجب العتاب وربما العقاب، لذلك فهم موسى فداحة خطئه وحدّة معارضته، وما كان ينبغي أن يفعل لو صبر، فسارع إلى الاعتذار والإعذار:

{

١٠٢ / ٤٥٣