مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

وفي تعبير القرآن بالضيافة استثارة لشعور السامعين بحق إكرام الضيف الذي استقر في النفوس، وتفظيع لمنكِر هذا الحق وإبائه لتقديمه، ورفع لمقام الخضر وموسى عن ذل السؤال وفداحته، فليس عملهما هذا تسوّلا، فمن ظنّه ذاك فقد أساء في حق العبدين الصالحين وأخطأ خطأً بيّنًا، ولا شك أن هيئة الرجلين ليست في هيئة الشحاذين والمتسولين، بل هي هيئة أهل الهمة والمروءة، فما أحرى أن تستقبل هيئتهما بالحفاوة والإكرام، ولكن أهل القرية الذين استضافاهم بخلوا، وما أقبح البخل لا سيما في مثل هذا المقام، وعلى مثل هذين الضيفين الكريمين.

﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُّرِيدُ أَن يَّنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَو شِئتَ لَتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا﴾

وجد الخضر وصاحبه في هذه القرية جدارًا مائلا للسقوط، ولا غرابة في التعبير عن هذا الميلان بالإرادة، والجماد ليست له إرادة، ولكن هذه العبارة مألوفة مستعملة في كلام العرب وغيرهم، وفي العبارة تعبير مبين عن مقدار هذا الميلان، وأنه على وشك السقوط، فكأن حالته حالة من يريد السقوط، فهو مجاز بليغ، فمر عليه الخضر بيده فأقامه، فاستقام بإذن الله، هكذا تؤذن العبارة بالإقامة، لَم يقل بناه ولا دعمه ولا رمَّمه، وهي معجزة وكرامة لهذا العبد الصالح الذي علمه الله وقواه على ما يشاء لما يريد لحكمة يعلمها، عندها تأثر موسى لما رأى من صاحبه من الإحسان إلى من لا يستحقون الإحسان في نظر موسى فاعترضه قائلا:

﴿لَو شِئتَ لَتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا﴾

قال لو شئت لطلبت أجر عملك الكبير هذا، إنهم أناس لا يستحقون الإحسان وهم لم يقوموا بواجب الإحسان لضيفهم، فلو قطعت عليهم شيئًا يكون أجرة عملك نقيم به أودنا، ونحن في حاجة إلى طعام كما ترى، قال هذا الكلام ناسيًا وعده الأول والأخير، فاستوجب العقاب من مُعلِّمه ولا يكون هذه المرة إلاّ الفراق.

{

١٠٤ / ٤٥٣