مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

قال بعضهم ليس الكنز مالا مدفونا، إنها هي حكم مكتوبة في رق، ولا داعي إلى هذا التأويل، إذ يجوز أن يترك لهم مالا، وفي الحديث الصحيح: "لأن تترك ورثتك أغنياء خير لك من أن تتركهم عالة يتكففون الناس"، ويقول ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: "كل مال أديتَ زكاتَه فليس بكنز، ولو كان مدفونا تحت سبع أرضين"، ونحن نقول يجوز أن يكون الأمران جميعا مال مدفون وحكم مكتوبة؛ حتى يستفيد الولدان بالمال ويعملا بالحكم، فينالا منفعة معيشتهما في الدنيا وثواب عملهما في الآخرة، أما إقامة الجدار فليبقى الكنز محفوظا، إذ لو سقط عليه الجدار لانطمر في أنقاضه فيصعب على الولدين استخراجه، وربما يعجزان عن ذلك، وقد تضيع مَعالِمُه بسقوط الجدار، وربما يظهر الكنز فيأخذه الناس بسقوط الجدار، أو يعثرون عليه حين يحفرون عن أساس الجدار، لإعادة بنائه فينهبونه، ففي إقامة الجدار حفظ لمال حلال تركه أب صالح لولديه، وفي صلاح الولدين صلاح للذرية وضمان لحقوقهم بعدهما ببركة تقواهما، وهذا ما تفيده عبارة القرآن: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَّبلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾.

تلك هي إرادة الله ورحمته وعنايته تختص أهل الصلاح والتقوى في أنفسهم وأهليهم، كما رأيت يا موسى أمثال هذه الرحمات من ربك، وهي ما تفيد إضافة الرب إلى كاف الخطاب؛ حتى يعتبر موسى بما وجد من رحمة ربه وعنايته به منذ ولادته وفي جميع مراحل حياته، وكان بالمؤمنين رحيما.

ولنا في مطاوي القصة حكم وأحكام وعِظَات ترشدنا وتعلمنا أن نتقبل ما ينزل علينا من قضاء الله وقدره بقلوب مطمئنة راضية بحسن تأويل ما نراه بلاء ومصائب، إذ كثيرا ما تكون عواقبهما خيرًا لدنيانا، أما الآخرة فهو الأجر العظيم ورفع الدرجات ونزول الرحمات للصابرين، وفي الدنيا يعقب الصبر الظفر.

﴿فعسى أن تكرهوا شيئًا ويَجعلَ اللهُ فيه خيرا كثيرًا﴾ (النساء:19).

١٠٨ / ٤٥٣