مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١١٦والسبب في اللغة هو الحبل، واستعمل مجازًا لكل قوة تساعدنا على نيل مرادنا، إذن فقد مكن الله هذا الملِك من كل القوى التي يتمكن بها، من تصريف أمور الْمُلك من سياسة الرعايا وعمارة الأرض ومحاربة الأعداء وغير ذلك من المواهب القوية التي تمكنه من إدارة ملكه إدارة رشيدة، وتمكنه أيضًا من توسيع رقعة مملكته، هذا ما تدل عليه كلمة: ﴿كُلِّ شَيءٍ﴾، أي من كل شيءٍ ينبغي لمثله من الملوك، ولا تحمل على عموم كل شيء إذ لا يكون هذا إلاَّ لله خالق كل شيء، وقد وردت هذه العبارة في القرآن، في شأن بلقيس ملكة سبأ: ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ (النمل:23)، أي من كل شيء مما يصلح لإدارة الملك وعمارة الأرض، وكذلك جاء في ريح عاد: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ (الأحقاف:25)، نعم تُدمِّر كل شيء، ولكن لا تدمر الجبال ولا الشمس ولا القمر ولا النجوم، ولا تدمر إلاَّ ما على أرض عاد قوم هود، وما وراء ذلك لا تدمره، هكذا تفهم المعلومات على ضوء المعقول والمنقول.
﴿فَاتَّبَعَ سَبَبًا﴾
وقد يستعمل السبب في الطريق، أي سلك طريقًا في غزوه لما يجاوره من البلاد، وقد مكنه الله بذلك فاتجه في غزوه إلى جهة الغرب.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغرِبَ الشَّمسِ وَجَدَهَا تَغرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ وَّوَجَدَ عِندَهَا قَومًا﴾
حتى إذا بلغ في سيره مغرب الشمس، أي حيث تغرب الشمس من ساحل البحر، والمشهور أنه انتهى إلى ساحل آسيا الصغرى: بلاد الأناضول شرقي البحر الأبيض المتوسط، مشى هو وجنوده حتى ردَّهم البحر الذي تغرب الشمس من جهته، وعلى سواحله عيون وأنهار وبرك تتجمَّع فيها المياه، فتصير بطول المكث حَمِئَة يقف الراكب دونها، ويبدو للناظر أن الشمس تغرب فيها، هنالك وجد قومًا يعمُرون هذه الأرض وقد يكونون ممن يعيشون على صيد أسماك البحر، تمكن ذو القرنين من هذه الأرض واستولى على أهلها، فصاروا تحت سيطرته يتصرف فيهم كما يريد.
{