مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٢٤

اجمعوا لي قطع الحديد واجمعوا الحطب الجزل، وضعوا قطع الحديد بعضها على بعض، وضعوا خلالها حزم الحطب وأشعلوا فيها النار، وانفخوا عليها بمنافخ كثيرة؛ لتشتد النار فتذيب الحديد، كل ذلك بأمر ذي القرنين وعلى نظام وهندسة يتم بها العمل الجبار، وقد ساوى بين الصدفين، والصدف: أنف الجبل البارز، أي بلغ من ارتفاع ردم الحديد مستوى الجبلين، وسدّ ما بينهما، ولا يقوى على هذا العمل إلاّ من مكَّنه الله في الأرض بالقوة والعلم والجنود وسائر الإمكانات، فنفخوا في النار واشتد لهبها، فاحمر الحديد فصار مجموع الحديد والحطب نارًا، وهو ما تدل عليه العبارة البليغة ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾، عندما حَمِيَ الحديد والتزقت زُبَرَه بعضها ببعض فصارت بنيانًا واحدًا، تتخلله أخاديدُ هي مواضع الحطب المشتعل، لذلك أمر بذائب النحاس وهو القطر، كان أُوقِد عليه في قدور راسيات عظيمة، فأُفرغت على الردم فملأت تلك الأخاديد، والتحم الحديد بالنحاس فصار أقوى ما يكون شدة وصلابة، وهو ما يقرره علماء المعادن والتصنيع، يقولون: "إن الحديد يشتد بمزجه بالنحاس"، وهذا ما علمه ذو القرنين منذ ستة وعشرين قرنًا، ولا يعلم إلاّ الله مقدار ما أوتي هذا الملك من الوسائل والتمكين حتى يقوى على إتمام هذا العمل العملاق في وسط هذا الجحيم من النار، فإذا بالردم العظيم يسد ما بين الصدفين والله يعلم ما بينهما من العرض والعلو، وكم يستهلك هذا السد السميك من الحديد والنحاس في هندسة دقيقة وعمل متقن، شهد له القرآن الحكيم بعبارات صادقة لَم تَحكِها خيالات القصاص ومبالغات الشعراء.

﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَّظهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقبًا﴾

١٢٤ / ٤٥٣