مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

سدٌّ عظيم عالٍ سميك، لم يستطع الشَّعبَان الكبيران يأجوج ومأجوج أن يصعدوا عليه فيظهروه، ولم يستطيعوا أن يُحدِثوا فيه نقبًا يسلكون منه، وما ذلك إلاّ لضخامته ومتانته وعُلُوِّه ودقة صنعه، أتَمَّه هذا الملك الصالح بإعانة هؤلاء القوم، وبفضل ما مكَّنه الله فيه من مختلف العلوم والقوى، وحين أتَمَّه ورآه سامقًا بإذن الله لَم يغتَرَّ بقوته ولَم يتكبَّر ولم ينس فضل الله عليه، بل ازداد تواضعًا واعترافًا بفضل ربه وتمكينه إياه.

﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وَّكَانَ وَعدُ رَبِّي حَقًّا﴾

كلمات تنبع من قلب أُفعِم إيمانًا ومحبة للرب المنعم، واعترافًا بفضله ورحمته، فقد جاءت فيها كلمة: "الرب"مكررة ثلاث مرات مضافة إلى ياء المتكلم إشعارًا بشدة تَمسُّك هذا الرجل بربه وحبه إياه وتوكله عليه، وأنه ملأ عليه وجدانه وكيانه، فلا يزال لسانه رطبًا بذكره لا يذكر غيره، ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾: أي هذا المشروع الضخم العملاق لَم يكن من تفكيرنا، ولا من قوتنا، وإنما قيامه وتمامه برحمة ربنا، وسيكون فناؤه وانتهاؤه بأمر ربي، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾: أي دكَّه الله وسوَّاه بالأرض، كما تَندَكُّ الجبال عند قيام الساعة، فسيكون هدمه بيد الله لا بيد الإنس ولا بيد الجن، ولابد سيتحقق هذا الأمر عند أجله المعلوم؛ لأنه وعد الله، ووعد الله حق، وسيكون انهدامه من أشراط الساعة؛ لأن أمورًا تقع يومئذٍ عظامًا منها النفخ في الصور.

١٢٥ / ٤٥٣