مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٢٩فأُعجبوا لهذا الشهر المبارك شهر رمضان الذي تحققت فيه للإسلام منذ فجره انتصارات باهرة كانت السبب في قوته وانتشاره وبقائه، فغزوة بدر الكبرى وفتح مكة كانا في شهر رمضان، وكذلك وقعة الزلاّقة التي انتصر فيها "يوسف بن تاشفين" في الأندلس لما استغاث به "المعتمد بن عباد" كانت يوم الجمعة منتصف شهر رمضان، فلِلَّه ما أبرك هذا الشهر على المسلمين، كانت وقعة "عين جالوت" التي انتصر فيها المسلمون على التتار من أعظم الوقائع بعد انتصار القائد "صلاح الدين الأيوبي" على الصليبيين.
﴿وَتَرَكنَا بَعضَهُم يَومَئِذٍ يَّمُوجُ فِي بَعضٍ﴾
الموج: تدافع المياه الكثيرة في البحار، يقول الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ: وتركنا الناس يومئذ يموج بعضهم في بعض، إشارة إلى كثرتهم وابتعادهم عن الله، فهم متركون لحالهم، وذلك قرب قيام الساعة، بعدما يندك السد ويفيض هذا البحر من البشر على العالم، بحرُ يأجوج ومأجوج، وقد رأينا اليوم كيف يموج البشر في هذا العالم؛ لارتفاع الحواجز وكثرة وسائل المواصلات السريعة فيه، فالعالم اليوم كأنه دار واحدة تدار الأحداث فيه بأزرار، فإذا بالوسائل الجهنمية من وسائل التدمير تجول شرقًا وغربًا في لحظات، ولا يقوم لها مانع، كلٌّ يسعى في إهلاك الآخرين، مرجت أحوالهم، وارتفعت الثقة من بينهم، واحتل الخوف محل الأمن، والفزع محل الطمأنينة، وكثر الهرج، وتماوجت قوى الشرق وقوى الغرب، وهذا نراه من أشراط الساعة التي تدل على قرب نهاية العالم وفنائه، فتفسيرنا اليوم لهذا التماوج تفسير واقعي لا نظري كما فسره من قبلنا، فنحن اليوم نعيش في تأويل هذه الآية، ولا ندري ما سيقع بعد ولا يزداد الأمر إلاّ تفاقمًا.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعنَاهُم جَمْعًا﴾