مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٤

فهو الكتاب المستقيم في مبناه وفي معناه، نزل بالحق، وبالحق أنزله الله لا ريب فيه هدى للمتقين، لا يزال الناس يغترفون من بحور بلاغته ومعانيه وأحكامه، ويستخرجون منه دُرَرَ البَيَان وجواهر المعاني وحقائق العلوم وفصل الخطاب ومقاطع الحقائق وقوانين الأحكام، من قال به صَدَق ومن عَمل به نجا ومن حَكَم بِه رَشَد ومَن دَعَا به هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم، نَفَى الله عنه العِوَجَ وَسَمَّاه ﴿قَيِّمًا﴾، يَقُولُ بَعضُ المفسِّرين في القَيِّم تأكيدٌ للمعنى الذي سبق، غير أن الوصف السابق جاء بطريق النفي وجاء هذا بطريق الإثبات، فالكتاب ﴿قَيِّمٌ﴾ أي مُستقِيم غير ذي عِوَجٍ، ونقول أنه لا يُصار إلى التأكيد إلاَّ إذا لم نجد معنى للتأسيس جديدًا، والعلماء يقولون: "التأسيسُ خيرٌ من التأكيد"، وإذا نظرنا في اللغة وما تدل عليه كلمة ﴿قَيِّمٌ﴾ نجد لها مدلولا قويًا فوق مدلول الاستقامة فهي تدل على القيام والقائمية ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ (الرعد:33) وهي تدل كذلك على الهيمنة وسُلطَة الحكم، فالقيِّمُ هو المهيمن على جميع الكتب التي سبقته ولا كتاب بعده فهو القيِّم عليها، ما وافقه منها قُبِلَ وما خالفه تُرِكَ؛ لأنَّ القرآن لا يناله ما نال الكتبَ التي قبله من التبديل والتغيير والتحريف، فهو الكتاب الخالد ﴿الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ (فصلت:42) والقرآن هو القائم على شؤون الناس وهو الحَكَم العدل بينهم، فهو القيِّم بهذا المعنى أيضًا فهو القائم على المؤمنين يعلمهم ويُربِّيهم ويُصلّح شؤونهم ويهديهم إلى صراط مستقيم، له السُّلطة والإشراف والقيام في كل شأن من شؤون الدنيا والدين، وله الحجَّة البالغة والشهادة المعدّلة يوم القيامة، فهو قيّم أبدًا؛ لأنه كلام قيُّوم السماوات والأرض، قيُّوم الدنيا والآخرة، فما أحراه بهذا الوصف وما ألزمه به أبدًا.

١٤ / ٤٥٣