مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٤١

إِنَّ الذِّينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَت لَهُم جَنَّاتُ الفِردَوْسِ نُزُلاً (107) خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبغُونَ عَنهَا حِوَلاً (108)}

هنا تأتي المقابلة الرائعة بين النُّزلين: نُزل الكافرين ونُزل المؤمنين، ذلك فيه كل أنواع العقوبات المؤلمة: من نارٍ وضربٍ وإهانةٍ وطعامٍ ذي غصةٍ وشرابٍ يتجرعه ولا يكاد يسيغه، وهذا فيه كل أنواع الأطايب: من الأطعمة والأشربة في قصور وجنات وأنهار، ويزوجون بِحُورٍ عِين كأمثال اللؤلؤ المكنون، وهم مُعزَّزُون مُكرَّمون، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، ورضوان الله أكبر من كل ذلك النعيم، وهم فيها خالدون، لا يبغون عنها حولا.

وهذه نكتة لطيفة تختص هذه الآية بذكرها وهي أنَّهم لا يرغبون في التحول عما فيه من النعيم إلى حالة أخرى، ذلك لأنهم راضون به لا يتصورون نعيمًا أفضل منه، ثم إن طبع الإنسان في هذه الحياة الدنيا الملل والسأم من كل حالة يطول مكثه فيها ولو كانت حسنة، فهو يسأم الحياة الرتيبة التي هي على نمط واحد، ركب الله هذا الطبع في الإنسان في الحياة الدنيا ليرغب في البحث عما هو أفضل، فيظهر على يده ما أراد الله إظهاره من بركات الأرض وأسرار الكون، ولولا ذلك لجمدت حركات العلوم، وتوقفت الاختراعات والابتكارات، وذلك خلاف لحكمة جعل الله ابن آدم خليفة في الأرض وتسخير ما فيها له، أما في الآخرة فليس هناك بحث ولا سعي ولا نصب ولا كد، فالإنسان الْمُمَتَّع هناك راضٍ بما هو فيه من النعيم، مطمئن لما أعطاه الله، لا يبغي سواه، فهو في غاية الرضا والسرور والشعور بنعمة الله العظيمة، يلهج لسانه بالحمد والثناء لربه الكريم الولي الحميد، ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ (فاطر:34-35).

١٤١ / ٤٥٣