مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٥٢أقرب ما قيل في تفسير هذه الآية أن كلمة ﴿ذِكرُ﴾خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا ذكر رحمة، ﴿ذِكرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيَّاءَ﴾، أي اذكر لهم يا مُحَمَّد ذكر رحمة ربك عبد زَكَرِيَّاء، واضطرب المفسرون في وجوه أخرى لإعراب الآية وليس يسع تفسيرنا هذه الاضطرابات، فلنأخذ بأشهرها وأقربها إلى الفهم، وهو بيان الرحمة التي أضيفت إلى الرب، وإضافة اسم الرب إلى النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ إضافة تشريف وتكريم، وإضافة العبد زَكَرِيَّاء إلى ضمير اسم الجلالة إضافة تكريم وحفاوة، وزَكَرِيَّاء هذا نبي كريم من أنبياء بني إسرائيل من ورثة موسى ومن حملة التوراة من بعده، يدعوا إلى الرشد ويحكم بما أنزل الله فيها بين بني إسرائيل.
﴿إِذ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾
هذه الرحمة مَوقعها حين نادى العبد الصالح زَكَرِيَّاء ربه نداءً خفيًا بما سيأتي بيانه، إنما كان هذا النداء في خلوة في مكان خفي لا يسمعه إلاَّ الله تعالى، نداء ذو صوت مرتفع غير خافت، ولكنه في خفاء بعيد عن رؤية الناس وسمعهم، وفي هذا التعبير إشارة إلى أن أقرب الدعاء إلى الإخلاص وحضور القلب ما كان في خلوة، وقد يكون من الدواعي التي دعت زَكَرِيَّاء إلى إخفاء النداء أن لا يسمعه من يخافهم من الموالي كما سيأتي.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظمُ مِنِّي وَاشتَعَلَ الرَأسُ شَيبًا وَّلَمَ اَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَّإِنِّي خِفتُ الْمَوَالِيَ مِن وَّرَائِي وَكَانَتِ اِمرَأتِي عَاقِرًا فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَّرِثُنِي وَيَرِثُ مِنَ _الِ يَعقُوبَ وَاجعَلهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
قال سيدنا زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ في ندائه لربه: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ العَظمُ مِنِّي وَاشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا﴾