مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٥٥

قال زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ ربِّ اجعل لي آية، أي علامة تعرفني بتحقق وقوع ما بشرتني به من الولد، وما ذلك من زَكَرِيَّاء شكٌّ في وعد الله، فقد آمن، ولكن يريدُ العلامة ليطمئن قلبه كما طلب جدُّه إبراهيم ـ عليه السلام ـ آية الخلق من ربه ليطمئن قلبَه، فوافقه الله إلى ما طلب، وقال آيتك ألاَّ تُكلِّم الناسَ، أي يَحتَبِسُ لِسَانك عن كلام الناس، ولا يَحتَبِس عن ذكر الله لمدة ثلاثة أيام بلياليها، وهذه كرامة لزَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ، لا يُكلِّم الناس وهو سَوِيُّ البدن سليم اللسان، ومظهر المعجزة أنَّه يذكر الله بلسان فصيح، لكن لا يقدر على مكالمة الناس المدة المذكورة كلُّها، تلك هي الآية التي جعلها الله لعبده زَكَرِيَّاء ـ عليه السلام ـ لوقوع الولد الموعود في بطن المرأة العاقر.

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَومِهِ مِنَ الِمحرَابِ فَأَوحَى إِلَيهِمُ أَنْ سَبِّحُوا بُكرَةً وَّعَشِيًّا (11)﴾

فلما حان الموعد لما أراد الله تحقيقه خرج زَكَرِيَّاء على قومه بني إسرائيل من مِحرابه وهو ساكتٌ لا يقدر على الكلام، فأشار إليهم بيده التسبيح صباحًا ومساء، ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِم﴾: أي أشار إليهم أن سبحوا الله واذكروه بُكرة وعشيًّا، وهو يذكر الله كما أمره، ﴿واذكر ربَّك كثيرًا وسبح بالعشي والابكار﴾ (آل عمران:41).

بقي ثلاثة أيام بلياليها في بيت العبادة يذكرُ اللهَ ويسبحه، ولا يكلم بني إسرائيل وهو نبيهم ورسولهم، والقائم بشؤون دينهم، ولكنه أمْرُ الله وآيتُه لابدَّ وأن تظهر وتستوفي مدتها، وفي ذلك موعظة وذكرى لأولى الألباب.

ثُم ينتقل المشهد القرآني إلى مخاطبة الابن الصالح الذي تحققت بولادته آية الله، فها هو بعدما ولد يتلقى حكم الله في صباه قبل أن يبلغ مبلغ الرجال، وتلك آية أخرى وكرامة من الله لهذا المولود الكريم.

{

١٥٥ / ٤٥٣