مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٥٦يَا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَينَاهُ الحُكمَ صَبِيًّا (12) وَّحَنَانًا مِن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَّكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَم يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلاَمٌ عَلَيهِ يَومَ وُلِدَ وَيَومَ يَمُوتُ وَيَومَ يُبعَثُ حَيًّا (15)}
نداء من الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ لهذا المولود باسمه الذي اختاره الله له، وهذا النوع من النداء الذي يقرن باسم المنادى فيه تشريف وحفاوة بالمنادى يشعر به الناس فيما بين بعضهم البعض، وناهيك إذا جاء من الله عز وجل.
كذلك شرّف الله عبده حين كرَّمه وقرَّبه بهذا النداء الذي أمره فيه بأخذ الكتاب بقوة وعزيمة على الإيمان به كلِّه والعمل بجميع ما فيه، وأن يدعُوَ إلى ذلك قومَه بني إسرائيل، وفي إعداد الله عبده يَحيَى لأخذ الكتاب بقُوَّة استجابة لدعوة أبيه زَكَرِيَّاء الذي رغب إلى الله أن يهب له وَلِيًّا يرث عنه الكتاب والحكمة والقيام على قومه بنِي إسرائيل في رقابتهم وحملهم على العمل بما في الكتاب، وهذا الكتاب هو التوراة الذي جاء به موسى ـ عليه السلام ـ، وكان أنبياء بني إسرائيل يتوارثونه ويحكمون به ويدعون إليه، والقوَّةُ المقصودة هنا: ليست هي الإكراه والجبر، بل هي: العزيمة والصبر على الدعوة إليه والعمل بكل ما فيه، والصبر على أذى السفهاء من قومه، وقد كانوا يؤذون أنبياء الله ويقتلونهم، ثم إن الله تعالى أخبرنا أنه آتى يحيى الحكم صبيًّا، وذلك استجابة لعبده زَكَرِيَّاء الذي بلغ من الكبر عتيًّا، حتى يطمئن على ما خاف ضياعه من ميراث العلم والحكمة.