مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٦ذكر الإنذار أولا ثم ذكر التبشير وأردفه بالإنذار مرة أخرى، وللمفسرين تأويلات في هذا التكرار للإنذار؛ قال بعضهم: "الإنذار الأول للكفار عمومًا، والإنذار الثاني خصوصًا للذين قالوا تخذ الله ولدًا"، كما يظهر من ظاهر التعبير، قالوا: "لأن من الكفار من لم ينسب الولد إلى الله فجاء الإنذار هنا خاصة للذين نسبوا الولد إلى الله زجرًا لهم"، وهذا تأويل جمهور المفسرين، ومنهم من قال غير هذا، ونحن نقول في تأويل ذلك غير ما قالوا ونكشف إن شاء الله عما هو أروع وأنسب لكلام الله البديع، نقول: من المعلوم أن الله ـ تَبَارك وتعالَى ـ أرسل رسلا كثيرين، ونجد أسلوب القرآن البديع يختار وصفهم بالنذارة أولا ﴿إني لكم نذيرٌ مُبِينٌ﴾ (هود:25) ويسميهم نُذرًا ﴿وَقَد خَلَت النُّذُر مِن بَينِ يَدَيهِ وَمِن خَلفِهِ﴾ (الأحقاف:21) فَكَأَن الوظيفة الخاصة بالرسل هي النذارة، ولا يذكر البشارة إلاَّ في مقامات أخرى يقرنها بالنذارة كما نرى في هذا الموضع، بينما نراه يقول في شيخ المرسلين سيدنا نوح ـ عليه السلام ـ ﴿إنا أرسلنا نوحًا اِلَى قومه أنَ اَنذِر قومَك من قبل أن يَاتِيهِم عذابٌ اَليمٌ، قال يا قوم إني لكم نذير مبين﴾ (نوح:01-02) نراه يقول في خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: ﴿يَس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قومًا ما أُنذِرَ آباؤُهُم فَهُم غَافِلُون لَقَد حَقَّ القولُ عَلَى أكثرهم فهم لا يُومنون﴾ (يس:01-07)، ويقول في أول سُورَة السجدة: ﴿أَلَم تَنزيلُ الكِتَابِ لاَ رَيبَ فِيهِ من رَبِّ العَالَمِين أَم يَقُولُون افتَرَاهُ بَل هُو الحَقُّ مِن ربِّكَ لِتُنذِر قَومًا مَا أَتاهم من نَّذِير مِن قَبلِكَ لعلَّهم يَهتَدُون﴾ (السجدة:01-03)، ويقول في سُورَة القصص: {وَمَا كُنتَ بِجَانبِ الطُّور إِذ نَادَينَا وَلكِن رَّحمة مِّن رَّبِّك لتنذِر قَومًا