مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٦٩كذلك شرّف الله عبده حين كرَّمه وقرَّبه بهذا النداء الذي أمره فيه بأخذ الكتاب بقوة وعزيمة على الإيمان به كلِّه والعمل بجميع ما فيه، وأن يدعُوَ إلى ذلك قومَه بني إسرائيل، وفي إعداد الله عبده يَحيَى لأخذ الكتاب بقُوَّة استجابة لدعوة أبيه زَكَرِيَّاء الذي رغب إلى الله أن يهب له وَلِيًّا يرث عنه الكتاب والحكمة والقيام على قومه بنِي إسرائيل في رقابتهم وحملهم على العمل بما في الكتاب، وهذا الكتاب هو التوراة الذي جاء به موسى ـ عليه السلام ـ، وكان أنبياء بني إسرائيل يتوارثونه ويحكمون به ويدعون إليه، والقوَّةُ المقصودة هنا: ليست هي الإكراه والجبر، بل هي: العزيمة والصبر على الدعوة إليه والعمل بكل ما فيه، والصبر على أذى السفهاء من قومه، وقد كانوا يؤذون أنبياء الله ويقتلونهم، ثم إن الله تعالى أخبرنا أنه آتى يحيى الحكم صبيًّا، وذلك استجابة لعبده زَكَرِيَّاء الذي بلغ من الكبر عتيًّا، حتى يطمئن على ما خاف ضياعه من ميراث العلم والحكمة.
وإيتاء الحكم: يعني به إيتاء النبوة والوحي، أوحى الله إليه صبيًّا، كما أوحى إلى ابن خالته عيسى صبيًّا، وقد أعدهما الله إعدادًا خاصًّا لتلقِّي هذا الأمر العظيم في سن مبكرة، وزاده مع الحكم حنانًا في قلبه، وهو الخُلق العظيم الذي يكون سببًا لنجاح النبِي في دعوة قومه واجتذابهم إليه، والحنانُ: هو رِقَّة ورحمة وحب وعطف، تكون في قلوب من أعدهم الله لإرشاد عباده ورعايتهم، حتى يلتفوا حوله ولا ينفضوا عنه كما جاء في القرآن في وصف رسول الله مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ (آل عمران:159).