مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٩٢

بعد قصة مريم والمسيح ـ عليهما السلام ـ تأتينا من الله العلي الكبير هذه الآيات البينّات في ذكر إبراهيم خليل الرحمن ـ عليه السلام ـ، ومحاورته لأبيه آزر وبين القصتين مناسبة متينة، ذلك أن كلا القصتين تعالجان موضوع الدعوة إلى توحيد الله تعالى، ونفي الصاحبة والولد والشريك بحجج واضحة، تعالى الله عن الصاحبة والولد والشريك علوًّا كبيرًا.

في الآيات الأولى ردٌ على المشركين من النصارى، وبيان للحق في مريم والمسيح عليهما السلام، وفي الآيات التاليات ردٌّ على قريش وعرب الجزيرة الذِّينَ يتخذون الأوثان والأصنام، يعبدونهم من دون الله، ويحبونهم كحب الله، ثم يزعمون أنهم على دين إبراهيم، ويفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم فتبيّن لهم الآيات البيّنات أن أباهم إبراهيم كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، فهو بريء من الشرك والشركاء ومن الذِّينَ يعبدونهم.

ويأتي الأسلوب في غاية الأدب والتلطف، وذلك ما يقتضيه محاورة الابن للوالد لا سيما والخطاب من إبراهيم الحليم الأواه المنيب، فلتكن صيغة المناداة والمحاورة درسًا لشبابنا في حق التأدب مع الوالدين، فهو في كل مقطع من مقاطع الكلام يستهل النداء بـ: "يا أبت"، وهذا ما ينبغي للأبناء والبنات في محاورة الآباء والأمهات، وهو من تمام البر والرحمة بالوالدين، ونحن نعلم أن بعض شبابنا يستنكفون من هذه الكلمة التي هي عنوان المحبة والبر، ولو كان من الآباء من تُنْزَعُ كَلِمَةُ الأُبُوَّة من محاورته، لكان أبا إبراهيم المشرك الجاحد الذي أعلن الحرب بينه وبين من يدعوه إلى التوحيد، ونبذ الأصنام ولو كان ابنُه، ولكن هذا الابن البَرّ الوَصُول أبى عليه أدبه الرباني إلاَّ أن يستهل كل مقطع من محاورته لأبيه المشرك المعاند بـ: "يا أبت"، فاعتبروا أيها الشباب واقتدوا بأبيكم إبراهيم.

﴿وَاذكُر فِي الكِتَابِ إِبرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾

١٩٢ / ٤٥٣