مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٩٣واذكر في الكتاب إبراهيم، والقصد من الذكر التذكير والموعظة بخبر إبراهيم أبي الأنبياء وسيد الحنفاء ـ عليه السلام ـ.
وقبل عرض المحاورة اللطيفة يثني الله ربنا على عبده إبراهيم ويصفه بوصفين عظيمين: "الصديقية والنبوة"، ويبدأ بالصديقية قبل النبوة، فما هي الحكمة من ذلك، والحال أن رتبة الأنبياء فوق رتبة الصديقية؟ فيما نرى أن إبراهيم كان صدِّيقًا قبل أن يكون نَبِيًّا على أن الصدِّيقية هي من أبرز صفات الأنبياء، والصدِّيق في اللغة صيغة مبالغة من الصدق والتصديق، فالعبد الصادق لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا، كما جاء في الحديث الشريف، والصدِّيق أيضًا الذي يسارع إلى تصديق الحق إذا جاءه ولا يرتاب، ولذلك سمي أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ صدِّيقًا حين كان أول المصدقين لصاحبه مُحَمَّد ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ، وكذلك صدق بقصة الإسراء قبل أن يسمعها من صاحبه فسمي لذلك صدِّيقًا، وإذا كان هذا الوصف مدحًا لأحد، فلأن يكون بأنبيائه ورسله أولى وأحرى وبهم ألزم، ثم يأتي المدح بوصف النبوَّة وهي هبة من الله لمن يشاء، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
بدأ الله بالثناء الجميل بهذين الوصفين لخليله إبراهيم ـ عليه السلام ـ حتى نتخذ منه المثل الأعلى في الاقتداء بهداه، ملة أبيكم إبراهيم.
ثم قصَّ علينا خبر محاورته لأبيه، يدعوه إلى توحيد الله ونبذ الأصنام.
﴿إِذ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لاَ يَسمَعُ وَلاَ يُبصِرُ وَلاَ يُغنِي عَنكَ شَيئًا﴾