مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٩٤

يا أبت لِمَ تعبد من دون الله ما لا يسمع لك دعاء، ولا يبصر لك عبادة ولا سجودًا، فهي أصنام جامدة لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر، ولا تغني عنك شيئًا، لا تجلب لك نفعًا ولا تدفع عنك ضرًا ولو قليلا، وهذا ما تدل عليه كلمة: ﴿شَيئًا﴾ المنكرة بعد النفي، وهي الحجة القاطعة التي تنسف الشرك والشركاء، إنها لا تسمع ولا تبصر، ولا تعي ما يأتيه عابدوها، وهي عنهم غافلة فَلِمَ إذن عبادتها، ثم هي لا تغني شيئًا عن العاكفين عليها من جلب نفع ولا دفع ضر فما جدوى عبادة من هذا وصفه؟، إن هذا لهو الخطأ البيّن والضلال المبين، والحال أن الرب الخالق الرزاق الواجب الوجود الحي القيوم السميع البصير العليم القدير لا يرضى لعباده الكفر ولا يغفر أن يشرك به.

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَد جَاءَنِي مِنَ العِلمِ مَا لِمْ يَاتِكَ فَاتَّبِعنِي أَهدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾

يا أبت: نداء لطيف كالأول فيه حنان الأبناء البررة بآبائهم.

﴿إِنِّي قَد جَاءَنِي مِنَ العِلمِ مَا لَم يَاتِكَ﴾

فيه تلطف آخر وأدب عظيم، وهو أنه لم ينسب لأبيه الجهل، وإنما ذكر له أن عنده علمًا ليس عنده، وليس من اكتسابه، بل جاءه من العليم الوهاب، فما على أبيه إلاَّ أن يتبعه فيهديه صراطًا سَوِيًّا مستقيمًا لا عوج فيه، ولا يُخشَى على سالكه ضلال، وما على الكبير من غضاضة في أن يتبع الصغير الذي عنده من العلم ما ليس عنده، فالعلم نور والجهل ظلام، فكما لا يستنكف الذي هو في ظلمة أن يتبع من عنده نور ولو كان دونه في السن أو في القدر، فأحرى أن لا يستنكف الجاهل أن يتبع العالم، وهذه قاعدة يقررها القرآن في هذا الحوار الذي يجري على لسان أبينا إبراهيم ـ عليه السلام ـ تبيّن أن على العالم أن ينشر علمه ولا يكتمه، وأن على الجاهل أن يتبع العالم ولو كان ابنه، وأن درجة العالم هي العليا، وقديمًا كان الملوك والأمراء يجلسون بين يدي العلماء يأخذون من علومهم.

{

١٩٤ / ٤٥٣