مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ١٩٧

قال أمعرض أنت عن آلهتي، كافر بها يا إبراهيم، فهي آلهة كثيرة ليست إلهًا واحدًا، لقد همه أمر آلهته في الدرجة الأولى، ولذلك أخر عنها ذكر اسم إبراهيم فهو في غاية التمسك بها معتزًا بنسبتها إليه، وفي غاية التوتر والغضب لمن يرغب عنها، غضبًا يمنعه من سماع الحق، والرد على حجج ولده المحاور له ولو بالشبه، بل لجأ إلى أسلوب القوة والتهديد شأن الذِّينَ تعوزهم الحجة، ويمنعهم الكبر عن الإذعان والاستماع فيلجئون إلى أساليب المكر والانتقام انتصارًا لأهوائهم، كذلك كان جواب الشيخ الكفور لابنه النصوح أنكر عليه في شدة إعراضه عن آلهته التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني شيئًا، وهدده لئن لم ينته عن دعوته إلى التوحيد بالرجم، والرجم أفظع أنواع القتل فهو لا يكون إلاَّ للكلاب المسعورة، والهوام المؤذية، وأكد تهديده بلام القسم والنون المشددة ثم راجعته عاطفة الأبوة قليلا فقال:

﴿وَاهجُرنِي مَلِيًّا﴾

أي أنج بنفسك قبل أن انتقم لآلهتي منك واهجرني مَلِيًّا، إبعد عني مدة طويلة ما دمت على هذا الرأي، لا تخاطبني ولا أحب أن أراك أو أستمع إلى كلامك.

هكذا بلغ الجفاء والكفر من أبي إبراهيم هذا الْمَبلَغَ المشتط، ولكن إبراهيم الحليم الأواه المنيب لَم يقطع صلته بأبيه، وراح يخاطبه بخطاب آخر كلُّه لين ورحمة، وليس فيه هذه المرة تعرض لآلهته بسوء ولا دعوة إلى نبذها، وقد اكتفى بما تقدم لو كان نافعًا.

﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعتَزِلُكُم وَمَا تَدعُونَ مِن دُونِ اللهِ وَأَدعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾

قال إبراهيم لأبيه مودعًا له ولقومه:

{

١٩٧ / ٤٥٣