مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ١٩٩أدعو ربي الذي خلقني وهداني وأكرمني، ومن أحق بالدعاء ممن سبق إحسانه؟، وكل دعاء لغيره ضلال في ضلال، عسى ألا أشقى بدعائي إياه، فأنا أطمع منه في الإجابة والإسعاد، وقد رأيت منه الحفاوة والإكرام، وهذا تعريض بآلهتهم التي لا تسمع لمن دعاها ولا تسعده، فما أشقى من يدعو مالا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئًا، يقول لهم هذا الكلام عند الفراق لعله يؤثر فيهم، ولعلهم يرجعون إلى أنفسهم فيعلمون أنه الحق، أما هو فقد وجد ربه سميعا وله مجيبا، هداه وعوّضه عن بلده الذي هاجر منه بلدًا طيبا مباركا في الشام، وعوّضه عمن فارقهم من أبيه وأقاربه ذرية طيبة، وآمن له لوط ابن أخيه.
﴿فَلَمَّا اعتَزَلَهُم وَمَا يَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَهَبنَا لَهُ إِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَكُلاَّ جَعَلنَا نَبِيًّا﴾
هاجر أبونا إبراهيم قومه وبلده وذهب إلى ربه، وهو أول من سن الهجرة إلى الله، وفارق الأهل والوطن في ذات الله معتزلا الشرك والمشركين، فارًّا بدينه من الفتنة، تاركًا وراءه كل جبار عنيد من أعداء الله، وكان لغاية هجرته عاقرًا، وكان يوم هجرته شيخًا، قيل عمره خمسة وسبعون عامًا، فعوضه الله وأهله "سارة" التي هاجرت معه، وتكبَّدت معه مشاق الهجرة ومفارقة الأهل والوطن، عوَّضهما خيرًا ممن فارقا من الأقارب، وَلَديْن ذَكَريْنَ صالحين نبيَّيْن، يولد الأول ويكبر، ثم يعقب الثاني، والشيخان على قيد الحياة تقرُّ أعينهما بهما جميعًا، ذكر الله هنا إسحق ويعقوب ولم يذكر إسماعيل؛ لأنهما الولدن اللذان يشترك فيهما المهاجران، أما إسماعيل فهو ولد لإبراهيم دون أهله المهاجرة معه، فهما الولدان اللذان بشرت بهما الملائكة "سارة"، وهما: ـ هي وزوجها ـ في مقر هجرتهما والولدان هبة من رحمة الله للأبوين المهاجرين إلى الله.
﴿وَّوَهَبنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلنَا لَهُم لِسَانَ صِدقٍ عَلِيًّا(50)﴾