مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٠أمر نبيَّه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ أن يُنذِر الذِّينَ قالوا اتخذ الله ولدا، وقولُهم هذا من أقبح أنواع الكفر وهو شرك فظيع من أفظع أنواع الشرك وأشنعه، وذلك أن نسبة الولد إلى الله زيادة على ما فيه من الكفر والإشراك يستلزم اتخاذ الصاحبة، وهذه جرأة كبيرة في حق ذي الجلال والإكرام ﴿أنَّى يكونُ له ولدٌ ولم تكن له صاحبة﴾ (الأنعام:101)، ﴿وأنَّه تَعَالَى جَدُّ ربِّنا ما اتخذ صاحبَةً وَلاَ وَلَدًا﴾ (الجن:03)، ذلك؛ لأن اتخاذ الولد يستلزم الزوجة، واتخاذ الزوجة شرك فظيع وشنيع وخسيس؛ لأنه أمر يستلزم الشهوة البهيميَّة، وهذا أمر يَجِلُّ عنه ربُّنا، تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ﴿وَقَالَت اليَهُودُ عُزَيرُ ابنُ الله وقَالَت النَّصَارَى المسيحُ ابن الله ذَلِكَ قَولُهم بِأفوَاهِهم يُضَاهُونَ قَول الذِّينَ كفروا من قبل قاتلهم الله أنَّى يُوفكون﴾ (التوبة:30)، وَقَالُوا هم وغيرهم من الكفار: "الملائكة بناتُ الله"، فنسبوا الولد إلى الله فجعلوه أنثى وهو ما يكرهون، وليتهم جعلوه مما يشتهون وكل ذلك شرك وبعضه أشد من بعض، أنكر الله عليهم كل ذلك وحاجَّهُم بما يعلمون استحالته، ولا تقبله عقولهم وهو وجود الولد مع عدم الصاحبة ﴿أنَّى يكون له ولد ولم تكون له صاحبة﴾ (الأنعام:101)، نفى عنه الصاحبةَ والوَلدَ، ونسبهم إلى الجهل والقول بغير علم ﴿ما لَهُم بِه من عِلمٍ وَلاَ لآبائهم﴾، نفى عنهم العلم، فهم يقولون ما لا يعلمون حقيقتَه ولا وُجوده، ولا آباؤهم الذِّينَ يُقلِّدُونهم في هذا القول يعلمون ذلك، ونفي العلم هنا يعني نفي وجود، لاَ نَفيَ عِلمٍ فقط، بل المدَّعَى معدومٌ، فكيف يُعلم مَا لاَ وجود له؟، وكذلك ينفي الله علم الشريك والولد حتى عن نفسه ﴿قُلَ اَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الارض﴾ (يونس:18)، فالمقصود ـ إذن ـ من نفي العلم هنا هو نفيُ الوجود مطلقا.
{