مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٠٨اختار الله لجنته هنا هذا الوصف المريح الذي بدونه لا يحلو النعيم مهما كان عظيمًا، إنهم فيها منعمون مستريحون، راضون مرضيون، لا يسمعون لغوًا، أي كلامًا جارحًا يوجع قلوبهم أو يكدر صفوهم، واللغو هو الباطل من الكلام الذي لا نفع فيه، وكثيرًا ما يسوء ويورث الأحقاد والضغائن، ليس في الجنة شيء من اللغو، فهم لا يسمعون إلاَّ سلامًا، أي كلامًا طيبًا كله خير وسلام، يزيدهم نعيمًا إلى نعيمهم، إنهم أعرضوا عن اللغو في الدنيا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، فجنبهم الله اللغو في الآخرة وأسمعهم في الجنة سلامًا، جزاءً وفاقًا، ﴿لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون﴾ (الأنعام:127)، ففي الآية بيان لجزاء هؤلاء التائبين المنيبين إلى ربهم، وفيها إرشاد لما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في الدنيا من الإعراض عن اللغو واجتناب قول الزور والعمل به، ثم إن لهؤلاء السعداء بالجنة رزقهم بكرة وعشيًا، وليس في الجنة تعاقب البكرة والعشي بالمعنى المعهود في الدنيا ذات الليل والنهار، إنما جاء هذا التعبير لبيان دوام الأرزاق فيها ووفرتها بدون عناء، فالموائد مبسوطة، والأكواب موضوعة، والمياه مسكوبة، والأرزاق موفورة والفواكة كثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، وهم على سرر مصفوفة، متكئين عليها متقابلين لا يمسهم فيها نصب، وما هم منها بمخرجين.
﴿تِلكَ الجَنَّةُ التِي نُورِثُ مِن عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾
الإشارة للتعظيم والرفعة، تلك الجنة ذات المقام الرفيع والسعادة العظيمة، الجنة التي وعد الرحمن عبادَهُ بالغيب، الذِّينَ آمنوا بالغيب وأحسنوا الظن بوعد الرحمن، يقول الله عز وجل معظّمًا مصير الأتقياء عنده يوم القيامة.
﴿تِلكَ الجَنَّةُ التِي نُورِثُ﴾