مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

نكتب هذه الجنة ميراثًا للأتقياء من عبادنا، والتعبير هنا بالميراث رائع؛ لأن الشيء الذي ترثه تأخذه خالصًا لا ينازعك فيه منازع، ولا منّة فيه لأحد عليك، وهي الشيء الذي يبقى عندك، وفي الميراث معنى البقاء، والجنة دار الخلود والبقاء، والإرث قد يكون كثيرًا وكثيرًا، فهو ليس كالشراء يكون على قدر ما تبذله من الثمن، وقد يربي عليه قليلا، لكن الإرث ليس كذلك، وما أعمالنا وإن كثرت هي التي تدخلنا الجنة، فهي لا تكون كفاء لشكر نعمة واحدة من نعم الله التي تمتعنا بها في الدنيا، إنما رحمة الله وفضله الواسع هو الذي يدخل أهل الجنة الجنّة، ويخلدهم في نعيمها، ومن هنا أشبه الميراث، وإن كان جاء في التعبير القرآني ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون﴾ (الزخرف:72) فهذا التعبير من الله لأوليائه جاء تكريمًا لهم وتشريفًا لمقامهم، وإشعارًا لهم برضا ربهم عن أعمالهم، وشكرها لهم، ولا يعلم إلاَّ الله ما يشعرون به من الرضا والكرامة حين يسمعون هذا النداء من رب العالمين، جعل الله الجنة للأتقياء من عباده حتى نتشبث بهذا المعنى الذي هو جماع كل خير وبر، فالتقوى وحدها ترفعك أعلى الدرجات وينال أهلها الكرامات، لا الانتساب إلى الأنبياء والصالحين مع الابتعاد عن سننهم، فإن هؤلاء الخلف لهؤلاء الأنبياء الأخيار كان مصيره الغي لما أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وورث كل تقي جنة الله ولو كانت نسبته كنسبة إبراهيم إلى عدو من أعداء الله، والتقيّ هو الذي يراقب ربه في كل حركاته وسكناته، فيما يأتي وما يذر فهو يبرئ قلبه ونفسه من كل وصف قبيح لا يرضاه الله، ويجعل بينه وبين المعاصي وقاية باستقامته على أمر الله، فهو يتقي الحرام ويتقي الشبهات ويتقي الكفر ويتقي البدع، وأخيرًا يتقي الإصرار، وإذا أردنا معرفة خصال المتقين فإنا نجدها مبينة في القرآن الكريم، ولنأخذ منه تفسيرين في موضعين منه:

٢٠٩ / ٤٥٣