مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢١١وسبب نزول هذه الآية أن فترة وقعت في الوحي تأخر فيها نزول جبريل مدة أربعين يومًا وقيل أقل من ذلك فاستوحش النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ واشتد شوقه إلى الوحي، وإلى جبريل ـ عليه السلام ـ، وذلك بعد أن سألته قريش بإيعاز من اليهود عن الأسئلة الثلاثة المتقدم ذكرها في تفسير سُورَة الكَهف، فقال لهم سأجيبكم عنها غدًا، ونسي أن يقول: "إن شاء الله"، فأدبه الله بتأخر نزول الوحي، فاشتد حزنه وقلقه، فلما نزل جبريل ـ عليه السلام ـ قال له: يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك، فقال له جبريل: إني كنت أشوَق إليك ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت وإذا لم أُبعث احتسبت فنزلت بعد ذلك هذه الآية:
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
ما يكون لنا معشر الملائكة أن ننزل إلاَّ بأمر ربنا وربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، ترى هل هذه (الماءات) المتكررة ظروف زمانية أو مكانية، للمفسرين فيها آراء، قال بعض ما مر من أعمارنا وما يستقبل منها، وما بين أيدينا الحاضر منها، وقال آخرون: ما بين أيدينا "الآخرة"، وما خلفنا "الدنيا"، وما بين ذلك "البرزخ"، وقال آخرون المراد الأمكنة، والاختلاف هنا إنما هو اختلاف تنوع لا تضاد، إذ المراد كل ذلك يعم الأزمنة والأمكنة كلها، وكل من فيها مِلكٌ لله ـ تَبَارك وتعالَى ـ خالق الأزمنة والأمكنة، ومن يضطرب في الأزمنة والأمكنة من الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات، فرأيي في الآية أن تبقى على هذا المفهوم، ومن ذهب يحدد المراد من الأزمنة أو الأمكنة فهو في نظري ينقص من روعة المعنى.
{