مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٢نهى الله نبيَّه أن يهلِكَ أسفا على عدم إيمانهم، والبخعُ: إجهادُ الشيء وتحميله فوق طاقته، يقال: فلان بَخِع أرضَه إذا أجهدَها بالحرث في كل عام ولم يتركها تستريح وتسترجع قوتها، ونهيُ اللهِ وتَحذِيرُه لِنبيِّه في رأفة به وتسلية وتطمين بأنه قد بلَّغ ولم يقصِّر؛ لأن حزن النبي ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ على عدم إيمان قومه فيه إشفاق وخوف من أنه ربما يكون ذلك لعدم قيامه بواجب التبليغ كما ينبغي، فسلاَّه الله وطَمأَنَه وقال له: لا تهلِك نفسَك، ولا تقتلها أسفا، فما عليك بعد أن بلغت أَلاَّ يؤمنوا؛ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، ونَفسُك أعزُّ عند الله من أن تهلكها على آثارهم أسفا.
وللمفسِّرين في قوله: ﴿عَلَى آثَارِهِم﴾ تأويلات، منهم من قال: "وراءَهم"، أي بعد إعراضهم، ومنهم من قال: "بعد موتهم"، والأمر أبسط من ذلك ونحن نعبِّر بلغتنا العامية فنقول: "لا تهلِك نفسَك في جرَّتهم"، أي بِسبَبِهم، والجرَّة في لغتنا العامية هي أثر الأقدام في الأرض، ونستعملها في مثل هذا التعبير للسبب والعلة، أي لا تقتل نفسَك بِسبَبِهم؛ لأنَّهم أعرضوا ولم يؤمنوا بهذا الحديث، والمقصود بالحديث هنا هو كلام الله، القرآن المنزل عليهم.