مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٢١يقول بعض المفسرين: "إن هذه الآية خطاب لهؤلاء الكفار خاصة دون المؤمنين"، وهذا المعنى، وإن كان يصح إلا أني أرجح كما يقول الجمهور، أنها خطاب لجميع المكلفين إنسهم وجِنَّهم، كافرهم ومؤمنهم، والورود هنا ليس معناه الدخول، لكني أقول معناه الوصول والمرور، والمعنى يصح وقد جاء بالقرآن الكريم، عند قوله ـ تعالى ـ: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون﴾ (القصص:23)، وصل موسى ـ عليه السلام ـ ساحة الماء، ولم ينغمس في البئر التي يسقي منها الناس وكذلك، ـ والله أعلم ـ يكون ورود الناس جميعا جهنم يوم القيامة يصلون ساحتَها ويرونَها، كما قال ـ تعالى ـ: ﴿لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين﴾ (التكاثر:07)، والكلام يؤذن بالتعميم المطلق، ثُم تأكيدُه بأن ذلك قضاء قضاه الله وأوجبه على نفسه وجوبا حتميا لا مراجعة فيه، وكذلك قضاء الله، لا قضاء لقضائه، ولا معقب لحكمه، وذلك إنذار للكافرين وتخويف للمؤمنين، ويوم يأتي تأويله ينادي الكفار بالويل والثبور ويزداد المؤمنون وثوقا وطمأنينة بصدق وعد الله ووعيده، ويزداد نعيم النجاة من النار والفوز بالجنة عِظمًا في أعين أولياء الله وقلوبهم، ولا تدرك حقيقة الشيء إلا بالمقارنة بضده ويومئذ يمر أولياء الله بالنار مرورًا لا تمسهم إلا تحلة القسم ولا يصلونها، إنهم عنها مبعدون، هم في جنات يتساءلون عن المجرمين، يود أحدهم لو يطَّلع على النار ليرى قرينًا كان يجادله في الدنيا ويسخر من إيمانه ويضحك منه، يود أن يراه فيراه يقينًا يتقلب في سواء الجحيم، فيدرك عِظَمَ نِعمة الله عليه، ويسخر من هذا القرين ويضحك منه ويقول له: ﴿تالله إن كدت لتُردِينِ ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾ (الصافات:56-57)، فليس إذن في ورود المؤمنين النار يوم القيامة احتراق، إنما عند مرورهم بها سيكون مسُّها لهم بردًا وسلامًا، كما كان على إبراهيم في الدنيا، والله على كل شيء قدير، ولا يدركون حقيقة نعمة النجاة