مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٢٥

وكم أهلكنا قبلهم من قرن، والقرن هي الجماعة من الناس في زمن ما، قال الله: ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرنًا آخرين﴾ (المؤمنون:31)، ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرونًا آخرين﴾ (المؤمنون:42)، ولذلك وُصِفَ القرن بالجمع المذكر السالم، أما تعبير الناس بالقرن عن المائة من الأعوام، فهو اصطلاح خاص وجديد.

يقول الله: أفلا ينظر هؤلاء المفتونون بالدنيا وزينتها إلى القرون الكثيرة التي أهلكناها وقد علموا أخبارها، إنهم أغنى منهم وأعتى وأوفر عددًا، فما كان غناهم ولا عتوهم ولا وفرة أعدادهم بمغنية عنهم شيئًا لما نزل بهم بأس الله، لقد كانوا أحسن منهم أثاثًا ورءيًا، اختار التعبير بالأثاث، والرءي: الذي هو المنظر الحسن؛ لأنها مظاهر الغنى والترف، ولقد كان الناس منذ القدم إلى يومنا هذا يجعلون اقتناء الأثاث هو مقياس الغنى، فاليوم نسمع الإحصائيات في البلاد الغنية تحصي عدد السيارات والتليفزيونات ومكيفات التبريد والتسخين وغيرها من الأجهزة، وتجعل النِّسَبَ بينها وبين أعداد السكان هي مقياس الترف والغنى، وقد يعبرون بالقدرة الشرائية، ردّ الله عليهم فقال هم أحسن أثاثًا ورءيًا، أي يملكون من الفرش والأثاث ما لا يملك هؤلاء القوم، ووجوههم أنضر من وجوههم، ولباسهم أنظف من لباسهم، فأين حضارة هؤلاء القوم الذِّينَ هم أقرب إلى البداوة من حضارة من سبقوهم من المترفين؟!، وأهلكهم الله، ففي هذا التعبير رَدٌّ عليهم وتبكيت لهم، وفيه إنذار من الله لهم بالهلاك إذا لم يستجيبوا لداعي الله ولم يستمِعوا لآياته البينات، فلا تغرنهم أموالهم ولا أنديتهم ولا إمداد الله لهم بمُتع الحياة الدنيا وزينتها، فإن لله مكرًا خفيًّا بأعدائه العتاة، وأنه يمهل ولا يهمل، ولكل أجل كتاب.

{

٢٢٥ / ٤٥٣