مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٣٧أثبت الله الحقيقة الكبرى الثابتة التي لا تزول ولا تحول والتي قامت بها السماوات والأرض ومن فيهن، فما من مخلوق في السماوات أو في الأرض إلاَّ آتي الرحمن عبدًا، إنهم يأتونه عبيدًا يوم القيامة حين تتمحض عبوديتهم، وتذوب دعاوى القوة والسلطان، التي ادَّعاها العتاة الجبابرة في الدنيا، ينفي الله بهذه الآية ما زعموا من البنوَّة، ويبين الفرق الكبير بين الولد، والعبد فمن كان عبدًا لا يكون ولدًا، ومن كان ولدًا لا يكون عبدًا لوالده، فالكل لله عبيد مخلوقون أذلاء خاضعون، فلا تنسبوا للرحمن ما لا ينبغي له ولا يليق بعظمته وكبريائه، إنما يحتاج إلى الأولاد الضعفاء الذين يفتقرون إلى الأولاد، والذِّينَ يموتون ويرثهم الأولاد ويحيون ذكرهم، أما الرحمن القوي القادر الذي هو حي دائم لا يموت فلا يحتاج إلى شريك ولا ولي، ولا ينبغي له الولد، ثم إن نسبة الولد إلى الله يستلزم الصاحبة، ويستلزم الاتصال المعهود بين الصاحب والصاحبة، ولذلك كان الأمر شنيعًا تتزلزل الأرض والسماوات والجبال منه وتنفطر لنسبة ذلك إلى الرحمن، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وما جاء هذا التعبير: "تَفَطُّر السماوات وانشقاق الأرض وخُرُور الجبال هذا"، إلاَّ في نسبة الولد ودعواه إلى الله، لما فيه من شناعة الاتصال بالصاحبة، ما جاءت هذه العبارة قط في موضع آخر في نسبة الشريك إلى الله، وإن كان الشرك كله افتراء وإثمًا عظيمًا، ولكن هذا النوع منه أشنع وأقبح أنواعه، فيا ويلهم، ماذا يصفون؟ ويا قبح ما يفترون؟ إنه لأمر عظيم، تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولد.
﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالاَرضِ إِلاَّ ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبدًا لَّقَدَ اَحصَاهُم وَعَدَّهُم عَدًّا وَّكُلُهُمُ ءَاتِيهِ يَومَ القِيَامَةِ فَردًا﴾