مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠يبشر الله عباده الذِّينَ يعملون الصالحات أن الله سيجعل لهم ودًّا بينهم وبينه، وبينهم وبين ملائكته، وبين بعضهم البعض، ودًّا يبقى ويدوم، بينما تتقطع الأسباب بين أعدائهم الكافرين والمنافقين، ويلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، كل واحد منهم يأتي الرحمن فردًا لا صلة بينه وبين أخلائه وأقربائه، والمؤمنون يجعل لهم الرحمن ودًّا عظيمًا، نكَّر كلمة: ﴿وُدًّا﴾، وتنكيرها يدل على عظمة مدلولها، ومن أسماء الله الحسنى "الودود"، وقد جعل الله لأوليائه ودًّا في حياتهم الأولى عند ملائكته، فهم يستغفرون للذين آمنوا، ويصلون عليهم في الدنيا قبل الآخرة، وجعل لهم ودًّا في قلوب المؤمنين، وهي المنزلة التي سألها إبراهيم من ربه حين قال: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ (الشعراء:84)، الوُدُّ والقبول للمؤمنين والمقت والبغضاء واللعنة لأعدائهم المجرمين، بينهم وبين الله، وبينهم وبين ملائكة الله، فهم يبغضونهم ويلعنونهم، وبينهم وبين بعضهم البعض، فهم يوم القيامة يتلاعنون وتنقلب خلَّتهم عداوة، وقد كانت مودَّتُهم في الدنيا على المعصية، ولأجل أغراض دنيئة يختِل بعضهم بعضًا، ويخدع بعضهم بعضًا، أما مودة المؤمنين فكانت في ذات الله فهم يتناصحون ويتعاونون على البر والتقوى، ويتحابون على ذلك ويدعو بعضهم لبعض عن ظهر الغيب، لِمن عرفوه ولمن لم يعرفوه من إخوانهم المؤمنين، والحب في الله أوثق عرى الإسلام كما جاء في الحديث الشريف، وهم على ذلك حتى جاءهم وعد الله فازدادت مودَّتُهم يوم القيامة تمكُّنًا، ونزع الله ما في صدورهم من غلٍّ إخوانًا على سرر متقابلين، وقد حمدوا مغبَّة أمرهم، وحمدوا الله على ما هداهم: ﴿وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَنَ إن ربَّنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب﴾ (فاطر:34-35)
.
قال بعض المفسرين: ﴿سَيَجعَلُ لَهُم الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾