مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

أي ما أكثر الأمم التي أهلكناها، والقرنُ: هو الأمة التي جمعها عصرٌ من العصور في ظل سلطان في قطر من الأقطار، كانت هذه الأمة متمكنة من أمرها تدبر شؤونها، لها حضارة وعمران ثم زالت وبادت، فلم تبق إلاّ آثارها العمرانية خاوية، وأخبارها تتداولها ألسنة الناس بعدهم، وما أكثر القرون الماضية، وما أكثر مواطن آثارها الشاهدة على عمارتها لهذه الأرض وتمكُّنها منها، فما على العاقل إلاّ أن يسير في الأرض فينظر إلى هذه الآثار ويعتبر، لا يخلو قطر من الأقطار من آثار مدن وقرى تشهد لأهلها بالقوة والسلطان والعلوم.

اقرأ كتب التاريخ، وقِف على الأطلال الضخمة المعالم، واستمع إلى أخبارهم وتفكر، وانظر هل بقي شيء من سلطانهم وقوتهم، تفكر وتسمَّع وانظر وتحسَّس بين آثارهم

﴿هَل تُحِسُّ مِنهُم مِّنَ اَحَدٍ اَو تَسمَعُ لَهُم رِكزًا﴾هل تُحسُّ من هؤلاء الهالكين من أحد؟! لا شيء مطلقًا، تخيَّل ما كان هناك من جلبة وصخب في أسواقهم وميادينهم وشوارعهم وملاعبهم، هل تسمع لهم اليوم ركزًا، أي صوتًا خفيًا؟! سكنت الأصوات وهدأ الضجيج، وخلت الميادين والأسواق والشوارع، وخربت الديار، فلا داعي ولا مجيب، ولا حاكم ولا محكوم، ولا بائع ولا مشترٍ، ديارهم كأن لَم تغن بالأمس، فهي خاوية على عروشها، تفكّر أيها العاقل واعتبر بآثارهم وأخبارهم، ولا تغتر بالحياة فإنها ذاهبة، ذاهب من فيها ولا يبقى إلاّ وجه ربك ذو الجلال والإكرام، وفي هذا التفكر ما يقهر النفوس العالية، ويردُّ إليها صوابها، ويكشف عن حقيقة هذه الحياة الدنيا، فلا تغترَّ بها ولا تطغَ، وفيها ما يلفت العقل إلى الاستعداد لدار البقاء والتزوّد لها بما يبقى إن كان فيه ذرة من إيمان، وفيه تسلية من الله لرسوله والمؤمنين، فلا يتألموا من سخرية أعداء الله، ولا يضيقوا بأذاهم، فسوف يهلكون كما هلك من كان قبلهم ممن هو أشد منهم قوة وأكثر جمعًا، والذِّينَ عمروا الأرض أكثر مما عمروها.

٢٤٧ / ٤٥٣