مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٥١مَا أَنزَلنَا عَلَيكَ القُرءَانَ لِتَشقَى}
أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى على آثار قومك، فلا تهلك نفسك أسفًا على عدم إيمانهم، ما عليك إلاَّ البلاغ، هذا هو المتبادر من معنى الآية، وقال البعض في معناها: ما أنزلنا عليك القرآن لِتَحمل على نفسك من مشقة العبادة ما لا تطيق، وكان ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ يطيل القيام في صلاة الليل حتى تورمت قدماه، وقال آخرون: ليس في القرآن ما يشقي من العبادات والشرائع، فالدين يسرٌ ﴿وما جعل عليكم في الدنيا من حرج﴾ (الحج:78)، ولا تتنافى هذه المعاني، فالاختلاف بين المفسرين، إنما هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وهناك وجه آخر ذكره بعض المفسرين وهو: أنه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم ـ كان يتعب في ترديد ما يلقى إليه من الوحي خشية النسيان، ويشقى بذلك، فطمأنه الله عز وجل ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾ (الأعلى:06-07)، والمعنى الأول من هذه المعاني هو الأظهر والأقوى؛ لمناسبة الآية بعده.
﴿إِلاَّ تَذكِرَةً لِّمَن يَّخشَى﴾
أي: فذكر إنما أنت مذكِّر لست عليهم بمصيطر، أيْ: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى بسببه من أجل كفر قومك وعنادهم، ما أنزلناه إلاَّ تذكرة لمن يخشى؛ ذلك لأن التذكرة إنما ينتفع بها من جعل الله في قلبه الخشية، وقد خوطب بالقرآن كافة الناس، وإنما ينتفع به الْمُدَّكِرُون الذِّينَ يخشون ربهم بالغيب، وجاءت هنا كلمة: "التذكرة"، كما تكررت في غير موضع من القرآن الكريم؛ ذلك لأن معنى الفطرة مركوز في القلوب، فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما مهمة النذر إلاَّ التذكير بهذا المعنى لمن في قلبه خشية الله، ﴿لعلهم يتقون أو يُحدِثَ لَهم ذِكرًا﴾، والذكرى تنفع المؤمنين.
﴿تَنْزِيلاً مِّمَّن خَلَقَ الاَرضَ وَالسَّمَاوَاتِ العُلَى﴾