مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢ارتبك في معناها المفسرون، فقال بعضهم ﴿اَكَادُ أُخفِيهَا﴾ أي: أكاد أظهرها، وبعض قال: أَخفِيهَا، بفتح همزة أخفى أي: أَظهَرَ، وقال الآخرون ـ وهو الحق فيما يبدو لي ـ ﴿اَكَادُ أُخفِيهَا﴾ أي: أخفيها فلا أذكرها، وما فيها من الأهوال، وما قبلها من الأشراط، غير أني ذكرتها لكم وما فيها وما قبلها لتستعدوا لها، واستأثرت بعلم وقتها الذي تقوم فيه، فهذا لا يعلمه لا نبي مرسل، ولا مَلَكٌ مقرَّب، فهي خفية بهذا المعنى، وغير خفية بالمعنى الأول، فهذا ما يفيده لفظ: "أكاد" قرب الوقوع، وعلى الجملة: فإن العبارة تفيد معناها الكامل الذي قصد به التخويف والإنذار وخفاء الوعد وإحاطة السر المطلق بوقوعه ﴿يسألونك عن الساعة أيان مرساها قلِ اِنَّما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلاَّ هو ثقُلت في السماوات والاَرض لا تَاتيكم إلاَّ بغته يسألونك كأنك حفيٌّ عنها قُلِ اِنَّما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (الأعراف:187)، ﴿إن الله عنده علم الساعة ويُنَزِّل الغيث ويعلم ما في الاَرحام﴾ (لقمان:34)، الغموض المطلق لوقت الساعة، والجهل المطلق بوقت وقوعها، وكيفية ذلك بالتفصيل، والساعة ساعتان: الساعة العامة؛ لفناء هذا العالم، والساعة الخاصة التي هي نهاية حياة كلٍّ منا، فلا أحد منا يعلم متى يموت؟، ولا بماذا؟، ولا أين؟ ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ (لقمان:34)، فليستعد كل منا لهاتين الساعتين، ولا يصدُّه الصادون الذِّينَ لا يؤمنون بالساعة، فأولئك أمرهم إلى بوار، وسيطلبون الرجعة ولا يجابون إليها ولات حين مناص.
كانت هذه الكلمات الأولى التي خاطب الله بها عبده موسى، وهي أسس الإيمان والحكمة، ثم تأتي بعدها الكلمات التالية التي فيها دلائل النبوة ومعجزاتها، وفيها التصريح بإرساله رسولا إلى فرعون؛ لينذره وقومه، إنهم كانوا قومًا فاسقين.