مختصر تفسير الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض "في رحاب القرآن" - سور الكهف ومريم وطه والأنبياء الناصر بن محمد المرموري

مختصر تفسير الشيخ بيوض - سورة مريم الكهف طه الأنبياء للناصر المرموري

الجزء ١ · صفحة ٢٧٩

ساقه موج البحر وتياره المندفع إلى الساحل، إلى حيث فرعون جالس على ساحل، فرآه فأمر الخدم أن يرفعوه إليه ففتحه، فوجد فيه غلاما بهيَّ الطلعة جميل الوجه، وأراد الله أن يأخذه فرعونُ عدوُّ الله وعدوُّ للوليد، فهو عدو لله؛ لأنه مشرك نصَّب نفسه إلها يعبد من دون الله، وله آلهة يعبدها من دون الله، وهو أيضا عدو للوليد؛ لأنه هو الذي يكون خراب ملكه على يديه، وهو الذي يقتل المواليد من أجله، ولو علم أنه هو هذا لقتله، ولكن مكر الله شديد، فقد شاء الله أن يحتضن هذا الوليد الذي هو عدوٌّ له، وألقى الله محبته في قلبه ولم يشعر أن هو سبب موته وزوال ملكه، وكان يمكن أن يكون سبب سعادته لو كان يسمع أو يعقل.

﴿وَأَلقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾

ألقى الله على موسى محبة منه على كل من رآه يحبه، فقد أحبه فرعون الطاغية الذي يقتل مواليد بني إسرائيل من أجله، ولكن المحبة التي ألقاها في قلبه فلَّت كل سلاح، وأغنت عن كل دفاع، فهي جند من جنود الله ﴿وما يعلم جنود ربك إلاَّ هو﴾ (المدثر:31)، وكذلك أحبته امرأة فرعون، فقالت: "لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا"، وأحبه كل من رآه، فالتمسوا له المراضع فتبارت النساء في إرضاعه، ولكنه لا يقبل منهم ثديًا؛ لأن الله حرَّم عليه المراضع إلاَّ ثدي أمه؛ ليرجع إليها كما وعدها الله، ولا بدَّ أن يتحقق وعد الله.

﴿وَلِتُصنَعَ عَلَى عَينِيَ﴾

ولتصنع على حفظي وعنايتي، أراد الله أن يتربَّى موسى وينشأ النشأة التي يحبها الله لمثله حتى يشب على الهيئة التي يستطيع بها أن يتلقى رسالة الله، ويبلغها أحسن تبليغ، كل ذلك والله يمتن على عبده موسى بما يَمتَنُّ؛ ليزداد حبًا لربه وثقة به وما أوجزها وأبلغها عبارة ﴿وَلِتُصنَعَ عَلَى عَينِيَ﴾ عبارة تفيض بالعناية والحفظ والتكريم في كل حركة يتحركها هذا المولود الكريم على ربه، فليقع بعد ذلك في يد عدو أو صديق أو قريب أو بعيد.

{

٢٧٩ / ٤٥٣